نيروبي 13/ مارس/ 2025
عانى السودان لعقود من أزمات متلاحقة جعلت منه واحدة من أكثر الدول هشاشة في العالم. فمنذ خروج المستعمر الخارجي وبعد عملية الإستلام والتسلم والتوريث للمستعمر (الداخلي) مطلع العام 1956، لم تنجح الحكومات المتعاقبة في بناء دولة وطنية جامعة للشعوب السودانية على أساس عقد اجتماعي عادل، بل ظل السودان أسيراً لصراعات أيديولوجية ودينية وعرقية قادت إلى حروب أهلية وانقسامات متزايدة كنتيجة منطقية لنهج الهيمنة والإقصاء الذي امتازت به النخب الحاكِمة في المركز السلطوي والثقافي. واليوم، أصبح واضحاً أن الحل لا يكمن في إعادة إنتاج الأنظمة القديمة بمناهجها المعطوبة التي تجاوزها التاريخ، بل في “تأسيس” دولة جديدة على أسس حديثة تستند إلى العلمانية والديمقراطية واللامركزية في السياسة والاقتصاد.
فالسودان دولة متعددة ومتنوعة الثقافات والأديان والقوميات والشعوب ، ومع ذلك، ساد نهج سياسي قائم على فرض هوية واحدة على الجميع، وهو ما أدى إلى التهميش والظلم للعديد من المجموعات السودانية وخلق بيئة مشحونة بالنزاعات والغبائن اضافة للتفاوتات التاريخية المعروفة. لقد أثبتت التجربة أن الدولة الايدولوجية التي قامت على انقاض دولة المستعمر، سواء كانت إسلامية أو غير ذلك، لا يمكنها أن تحقق العدالة والاستقرار، بل كانت أداة لقمع الشعوب وتكريس الانقسامات. الدولة العلمانية الجديدة التي يسعى تحالف السودان التأسيسي لتأسيسها، على العكس، هي الوحيدة القادرة على ضمان المساواة بين المواطنين، بحيث لا يكون هناك مواطن من الدرجة الأولى وآخر من الدرجة الثانية بسبب دينه أو عرقه أو لونه أو أي تمييز آخر.
اما الديمقراطية فهي ضرورة لا غنى عنها. فلا يمكن بناء السودان الجديد في ظل أنظمة عسكرية أو شمولية، فالحكم العسكري لم يجني منه السودان سوى القمع والانهيار الاقتصادي والتفكك الإجتماعي والحروب. فالديمقراطية تضمن مشاركة جميع الناس بقواهم السياسية والاجتماعية في الحكم عبر انتخابات حرة ونزيهة، وتحمي حقوق الأفراد والجماعات، وتضمن حرية التعبير والتعددية السياسية. وبالطبع فإن ما نحتاج إليه ليس مجرد ديمقراطية شكلية، بل نظام ديمقراطي حقيقي يكون فيه القضاء مستقلاً، والسلطة التشريعية معبرة عن إرادة الشعوب، وتُمارس فيه السلطة التنفيذية صلاحياتها تحت رقابة شعبية مؤسسية فعالة.
إلى جانب الديمقراطية، فإن اللامركزية ضرورة حتمية لإدارة السودان بكفاءة وعدالة. فالدولة المركزية أدت إلى تهميش الأقاليم وكرست للظلم الاقتصادي والتنموي وغيره، حيث تركزت السلطة والثروة في أيادي وبيوت قِلة في الخرطوم، بينما بقيت بقية المناطق تعاني من الإهمال والتخلف وسرقة الموارد. في حين سيعمل الحكم اللامركزي على اتاحة الفرصة للأقاليم إدارة مواردها بنفسها، ويمنح المجتمعات المحلية القدرة على اتخاذ القرارات التي تؤثر على حياتها، بدلاً من فرض قرارات مركزية لا تراعي احتياجاتهم وأولوياتهم.
الاقتصاد أيضا لا يمكن أن ينفصل عن هذه التغييرات. لعقود اعتمد السودان على سياسات اقتصادية مركزية فاشلة أدت إلى تدهور مستوى المعيشة وانتشار الفقر. الاقتصاد المركزي الذي تديره الدولة لم يحقق التنمية، بل أدى إلى تفشي الفساد والمحسوبية. لا يمكن تحقيق النهضة الاقتصادية إلا من خلال اقتصاد منفتح، يسمح للقطاع الخاص بالعمل دون قيود بيروقراطيةومعقدة، وتكون السياسات الكلية والمشاريع الكبيرة للدولة خادمة لتحقيق التوازن التنموي وضمان دعم المجتمعات الضعيفة وتقديم الرعاية الإجتماعية، وتشجع الاستثمار، وتضمن توزيعا عادلاً للموارد والثروات. كما يجب التركيز على تطوير رأس المال البشري والزراعة والصناعة، بدلا من الاعتماد على تصدير المواد الخام فقط.
بناء السودان الجديد ليس رفاهية، بل هو ضرورة حتمية. لا يمكن لهذا البلد أن يستمر في الدوران في الحلقة المفرغة ذاتها، حيث الانقلابات العسكرية والحروب والتدهور الاقتصادي. ما شرعناه في مواثيق السودان التأسيسي يستند إلى رؤية جديدة، قائمة على المواطنة بدلاً من الدين، وإلى الديمقراطية بدلًا من الاستبداد، وإلى اللامركزية بدلاً من التهميش. ربما يكون الطريق طويلاً، لكن البديل هو استمرار دولة الظلم والاضطهاد العرقي والديني. لهذا، فإن تأسيس دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية ليس مجرد خيار، بل هو الخيار الوحيد لضمان بقاء السودان وتقدمه.