توافق دولي واسع يدفع نحو إنهاء الحرب وتسريع الانتقال المدني في السودان.

متابعات - فجر برس

في خطوة تعكس تنامي الإجماع الدولي حول مستقبل السودان، أكدت الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الأوروبية والمنظمات الإقليمية والدولية دعمها المشترك لإطلاق مسار سياسي مدني شامل يقود إلى إنهاء الحرب الدائرة في البلاد، معتبرة أن الحل السياسي المدني يمثل الطريق الوحيد لتحقيق السلام المستدام واستعادة الاستقرار وبناء انتقال ديمقراطي يلبي تطلعات السودانيين.

وجاء هذا الموقف في بيان مشترك صدر أمس الثلاثاء عقب اختتام مشاورات اللجنة الخماسية بشأن السودان، التي انعقدت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا خلال الفترة من الثالث إلى الخامس من يونيو الجاري، بمشاركة الولايات المتحدة وبلجيكا وفرنسا وألمانيا واليونان وإيطاليا والنرويج والمملكة المتحدة، إلى جانب الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة.

ويحمل البيان دلالات سياسية مهمة في ظل استمرار النزاع الذي يدخل عامه الرابع، وسط تدهور إنساني غير مسبوق وتزايد المخاوف الدولية من تداعيات الحرب على السودان والمنطقة بأكملها. وأكدت الأطراف الموقعة أن أي تسوية مستدامة للأزمة لا يمكن أن تتحقق عبر الوسائل العسكرية، بل من خلال عملية سياسية شاملة ومستقلة يقودها المدنيون وتعكس الإرادة الحقيقية للشعب السوداني.

وأعرب المجتمعون عن قلقهم العميق إزاء الأوضاع الإنسانية المتفاقمة في السودان، مشيرين إلى أن ملايين المواطنين يعانون من النزوح القسري وانعدام الأمن الغذائي وتراجع فرص الحصول على الخدمات الأساسية، في وقت تستمر فيه الهجمات التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية الحيوية في مختلف أنحاء البلاد.

وشدد البيان على أن حماية المدنيين يجب أن تظل أولوية قصوى لجميع الأطراف، داعياً إلى التوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة تمهد الطريق نحو وقف دائم لإطلاق النار، بما يسهم في تسهيل وصول المساعدات الإنسانية وإنقاذ الأرواح والحد من تفاقم الأزمة الإنسانية.

وفي سياق متصل، رحبت الدول والمنظمات الموقعة بمخرجات مؤتمر السودان الذي استضافته برلين في الخامس عشر من أبريل الماضي، وبـ”مبادئ برلين للسودان” التي تبنتها اثنتان وعشرون دولة ومنظمة دولية وإقليمية، معتبرة أنها تشكل أرضية مهمة لتعزيز التنسيق الدولي بشأن الأزمة السودانية.

وأشاد البيان بـ”النداء المشترك لإنهاء الحرب والنهوض بعملية سياسية سودانية شاملة” الذي طرحته قوى مدنية سودانية، مؤكداً أن المبادرات المدنية تمثل عنصراً أساسياً في أي جهود تستهدف الوصول إلى تسوية سلمية مستدامة، وترسيخ أسس حكم مدني ديمقراطي بعيداً عن الاستقطاب والصراع المسلح.

وأكدت الأطراف الدولية أن تعزيز المسار المدني يجب أن يكون الركيزة الأساسية لإنهاء الحرب وإطلاق عملية انتقال سياسي شاملة، محذرة من مخاطر استمرار هيمنة الأطراف العسكرية أو السماح بتنامي نفوذ الجماعات المتطرفة، لما يمثله ذلك من تهديد مباشر لاستقرار السودان ومستقبل التحول الديمقراطي فيه.

وفي إطار ترجمة هذا التوجه إلى خطوات عملية، أعلنت الجهات الموقعة دعمها لإطلاق حوار مدني سوداني شامل خلال الأسابيع المقبلة تحت إشراف اللجنة الخماسية، التي تضم الاتحاد الأفريقي وإيغاد وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. ومن المقرر أن يضم الحوار طيفاً واسعاً من القوى السياسية والمدنية ومنظمات النساء والشباب وممثلين عن مختلف الأقاليم والمكونات الاجتماعية السودانية.

ويهدف هذا الحوار، بحسب البيان، إلى توفير منصة جامعة للسودانيين تمكنهم من التوافق حول رؤية مشتركة لمستقبل البلاد، بعيداً عن الإقصاء والاستقطاب، بما يضمن مشاركة أوسع الفئات المجتمعية في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

وأبدت الدول والمنظمات الدولية استعدادها لتقديم الدعم الفني والسياسي واللوجستي اللازم لإنجاح هذه العملية، مع التأكيد على أهمية أن يتم تنظيم الحوار بصورة شفافة وعملية وفي إطار زمني واضح ومحدد. كما أعربت عن أملها في إنجاز الحوار خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر إذا ما توفرت الظروف المناسبة، بما يمهد الطريق أمام تشكيل حكومة مدنية مستقلة تستند إلى مبادئ الشرعية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان.

ولم يقتصر البيان على عرض الرؤية السياسية للمجتمع الدولي، بل تضمن أيضاً رسالة واضحة إلى الأطراف التي قد تسعى إلى تعطيل العملية السياسية، حيث لوّح بإمكانية اتخاذ إجراءات مناسبة بحق الجهات التي تعرقل جهود الانتقال المدني أو تقف في وجه التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

وأكد الموقعون أن مستقبل الحكم في السودان يجب أن يحدده السودانيون أنفسهم عبر عملية انتقالية مدنية مستقلة وشفافة وشاملة، بعيداً عن أي ضغوط أو تدخلات تعيق تحقيق تطلعات الشعب في السلام والاستقرار والديمقراطية.

ويرى مراقبون أن البيان يعكس تصاعد القناعة الدولية بضرورة توحيد الجهود السياسية والدبلوماسية لدفع الأطراف السودانية نحو تسوية تفاوضية، في ظل تعثر المسارات السابقة واستمرار الكلفة الإنسانية الباهظة للحرب. كما يشير إلى توجه متزايد نحو منح القوى المدنية دوراً محورياً في أي ترتيبات مستقبلية، باعتبارها الضامن الأهم لنجاح عملية الانتقال السياسي واستدامة السلام.

واختتمت الدول والمنظمات الموقعة بيانها بالتأكيد على مواصلة التنسيق المشترك وتوسيع نطاق الدعم الدولي للجهود الرامية إلى إنهاء النزاع وتخفيف المعاناة الإنسانية، مجددة التزامها بالعمل من أجل تحقيق السلام والاستقرار ودعم انتقال سلمي يقوده المدنيون في السودان، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعافي وإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية ومستدامة.

Comments (0)
Add Comment