تدمير جسر “أردمتا” بغرب دارفور .. خطوة مقصودة لعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.

متابعات - فجر برس

أثار تدمير جسر “أردمتا” بولاية غرب دارفور موجة واسعة من القلق والإدانات الحقوقية والإنسانية، وسط تحذيرات من تداعيات خطيرة على حركة المدنيين وتدفق المساعدات الإنسانية إلى إقليم دارفور الذي يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ويُعد الجسر أحد أهم المرافق الحيوية في غرب السودان، إذ يربط مدينة الجنينة بالمناطق الحدودية مع تشاد، ويشكّل ممراً أساسياً لعبور القوافل التجارية والإغاثية القادمة من الأراضي التشادية إلى ولايات دارفور المختلفة. وفي ظل اعتماد ملايين السودانيين على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، فإن استهداف هذا المرفق الاستراتيجي يمثل ضربة مباشرة لجهود الإغاثة الإنسانية ويهدد بتفاقم معاناة السكان المتضررين من الحرب.

وأدان التحالف السوداني للحقوق تدمير الجسر، معرباً عن قلقه البالغ إزاء التداعيات الإنسانية للحادثة في منطقة تعاني بالفعل من أوضاع أمنية وإنسانية متدهورة نتيجة النزاع المستمر منذ أبريل 2023. وأشار التحالف إلى أن المعلومات الميدانية المتوفرة تفيد بأن تدمير الجسر جاء في سياق العمليات العسكرية الجارية، الأمر الذي أدى إلى تعطيل حركة المدنيين وعرقلة وصول المساعدات والإمدادات الأساسية إلى المجتمعات المتضررة.

وأكد التحالف أن جسر أردمتا لا يمثل مجرد منشأة خدمية عادية، بل يعد شرياناً حيوياً يربط أجزاء واسعة من ولاية غرب دارفور بالمناطق الحدودية، ويساهم في تسهيل وصول المساعدات الطبية والإنسانية والسلع الأساسية إلى مئات الآلاف من السكان. وحذر من أن تدميره سيؤدي إلى زيادة عزلة المجتمعات المحلية التي تعاني أصلاً من آثار الحرب والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية.

وتتجه أصابع الاتهام إلى الجيش السوداني باعتباره الجهة التي تسيطر على سلاح الطيران والقدرات العسكرية التي تتيح تنفيذ مثل هذه العمليات ضد البنية التحتية الحيوية. ويرى مراقبون أن تدمير الجسر يأتي ضمن نمط متكرر من استهداف البنية التحتية المدنية خلال الحرب، الأمر الذي تسبب في أضرار جسيمة طالت الجسور والطرق وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات في عدد من الولايات السودانية.

وتكتسب خطورة الحادثة أبعاداً إضافية بالنظر إلى الموقع الجغرافي للجسر وأهميته الإنسانية. فمدينة الجنينة تمثل إحدى أهم بوابات دخول المساعدات القادمة من تشاد، حيث تعتمد وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية على المسارات الحدودية الغربية لنقل الإغاثة إلى مناطق واسعة من دارفور وكردفان. ومع تدمير الجسر، تصبح عمليات النقل والإمداد أكثر تعقيداً وكلفة، في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية تحديات متزايدة تتعلق بالأمن وصعوبة الوصول إلى المحتاجين.

وفي هذا السياق، حذرت الأمم المتحدة من تصاعد الهجمات التي تستهدف الجسور والطرق والبنى التحتية المدنية الحيوية في السودان، مؤكدة أن هذه الأعمال تعرقل وصول المساعدات الإنسانية وتعرض المدنيين لمزيد من المخاطر. وأشار فريق الأمم المتحدة الإنساني إلى أن طريق الجنينة – زالنجي يمثل مساراً حيوياً لنقل المساعدات من تشاد إلى دارفور وكردفان، وأن أي تعطيل لهذه الشرايين الحيوية يهدد العمليات الإنسانية برمتها.

كما لفتت الأمم المتحدة إلى أن جسر أردمتا يشكل حلقة أساسية في شبكة النقل التي تربط مدينة الجنينة بالمناطق القريبة من الحدود التشادية، وهي مناطق تعتمد بصورة كبيرة على الإمدادات التجارية والإنسانية القادمة عبر هذا الممر. ويأتي تدمير الجسر في وقت بالغ الحساسية مع اقتراب موسم الأمطار الذي يؤدي عادة إلى تدهور أوضاع الطرق وصعوبة إيجاد مسارات بديلة لنقل المساعدات.

ويرى خبراء في الشأن الإنساني أن استهداف البنية التحتية المدنية خلال النزاعات المسلحة لا يقتصر تأثيره على الخسائر المادية المباشرة، بل يمتد ليشمل آثاراً إنسانية بعيدة المدى. فتعطيل الجسور والطرق يؤدي إلى عزل المجتمعات المحلية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتراجع فرص الحصول على الرعاية الصحية، وتأخير وصول المساعدات الغذائية والدوائية، وهو ما يفاقم الأوضاع الإنسانية المتردية أصلاً.

ومن الناحية القانونية، يثير تدمير الجسر تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني. فالأعيان المدنية والبنية التحتية المستخدمة لخدمة السكان المدنيين تتمتع بحماية خاصة بموجب اتفاقيات القانون الدولي، كما تلتزم أطراف النزاع بمبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب الإضرار بالمدنيين والمرافق التي يعتمدون عليها في حياتهم اليومية.

وشدد التحالف السوداني للحقوق على أن عرقلة أو إعاقة وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المحتاجين قد تمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، داعياً إلى ضمان وصول الإغاثة بصورة سريعة وآمنة ودون عوائق. كما طالب بفتح تحقيق فوري ومستقل ومحايد في ملابسات تدمير الجسر، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات محتملة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وتأتي هذه المطالب وسط تزايد المخاوف من اتساع نطاق استهداف البنية التحتية المدنية في السودان، في ظل استمرار الحرب وما خلفته من كارثة إنسانية غير مسبوقة. فوفق تقديرات أممية، يحتاج ملايين السودانيين إلى مساعدات إنسانية عاجلة، بينما تواجه وكالات الإغاثة صعوبات كبيرة في الوصول إلى المتضررين بسبب القتال وانعدام الأمن وتدمير الطرق والجسور.

وفي ظل هذه المعطيات، ينظر كثير من المراقبين إلى تدمير جسر أردمتا باعتباره أكثر من مجرد حادثة عسكرية عابرة؛ إذ يمثل خطوة من شأنها تقويض الجهود الإنسانية الرامية إلى إنقاذ المدنيين، وتهديد أحد أهم الممرات التي تربط السودان بمصادر الإمداد الإنسانية القادمة من تشاد. وبينما تتواصل الدعوات الدولية لحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، يبقى مصير آلاف الأسر في غرب دارفور مرتبطاً بقدرة الجهات المعنية على إعادة تأمين طرق الإغاثة وضمان استمرار تدفق المساعدات إلى المناطق المنكوبة بالحرب.

Comments (0)
Add Comment