أثارت حادثة الاعتداء على رجل مسن في شارع الوادي بمدينة أم درمان موجة واسعة من الغضب والاستياء، بعد تداول مقطع فيديو يُظهر أفراداً يُقال إنهم يتبعون للقوة المشتركة وهم يمارسون الجلد بحق الرجل في مكان عام، في مشهد أعاد إلى الواجهة المخاوف المتزايدة بشأن الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في مناطق النزاع والتوتر الأمني بالسودان.
وبينما لم تصدر أي جهة رسمية تعليقاً أو توضيحاً بشأن الحادثة حتى وقت كتابة هذا التقرير، اعتبر ناشطون وحقوقيون أن ما ظهر في الفيديو يمثل نموذجاً لما وصفوه بتجاوزات متكررة تُنسب إلى عناصر مسلحة تعمل ضمن ترتيبات أمنية معقدة فرضتها ظروف الحرب والانقسام العسكري في البلاد.
ويرى مراقبون أن الحادثة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه البلاد منذ اندلاع الحرب، حيث تصاعدت الشكاوى المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان والتعديات على المدنيين من قبل أطراف مسلحة متعددة. ويقول منتقدو القوة المشتركة إن عدداً من الممارسات المنسوبة إلى بعض عناصرها أثار مخاوف متزايدة وسط المواطنين، خاصة في المناطق التي تشهد انتشاراً كثيفاً للتشكيلات المسلحة.
وتضم القوة المشتركة مجموعات تنتمي إلى حركات الكفاح المسلح التي انخرطت في ترتيبات أمنية وعسكرية مختلفة خلال السنوات الماضية. غير أن وجود هذه التشكيلات خارج إطار جيش قومي موحد ظل محل جدل واسع بين القوى السياسية والحقوقية، التي ترى أن تعدد مراكز القوة المسلحة يساهم في إضعاف سيادة القانون ويخلق بيئة تسمح بوقوع تجاوزات يصعب محاسبة مرتكبيها.
ويشير ناشطون إلى أن شكاوى المواطنين لا تقتصر على حوادث الاعتداء الجسدي فحسب، بل تشمل أيضاً اتهامات بحدوث انتهاكات أخرى في بعض المناطق، من بينها تجاوزات بحق المدنيين والتدخل في الأنشطة الاقتصادية وفرض إجراءات خارج الأطر القانونية المعروفة. وتبقى هذه الاتهامات بحاجة إلى تحقيقات مستقلة وشفافة لتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين إن ثبتت صحة الادعاءات.
وتزايدت خلال الأشهر الماضية الأصوات المطالبة بإخضاع جميع التشكيلات المسلحة لرقابة مؤسسية صارمة، وإنهاء حالة الاستثناء التي تتمتع بها بعض المجموعات بحكم ظروف الحرب. ويرى حقوقيون أن استمرار أي قوة مسلحة في ممارسة مهام أمنية أو تنفيذ عقوبات ميدانية خارج النظام القضائي يمثل تهديداً مباشراً لحقوق المواطنين ولأسس الدولة الحديثة.
ويحذر مراقبون من أن تكرار مشاهد الاعتداء على المدنيين قد يؤدي إلى اتساع فجوة الثقة بين السكان والقوات المنتشرة على الأرض، خاصة في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها ملايين السودانيين نتيجة الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي. ويؤكد هؤلاء أن المواطن الذي يعاني من آثار النزاع يحتاج إلى الحماية وسيادة القانون، لا إلى ممارسات تزيد من شعوره بالهشاشة وانعدام الأمن.
وفي المقابل، يرى متابعون للشأن الأمني أن معالجة هذه الظواهر تتطلب الإسراع في تنفيذ الترتيبات الأمنية المؤجلة، بما يشمل دمج القوات المختلفة في مؤسسة عسكرية قومية موحدة تخضع لقيادة مركزية وقوانين واضحة وآليات مساءلة فعالة. ويؤكدون أن استمرار تعدد التشكيلات المسلحة يخلق تحديات كبيرة أمام بناء دولة مستقرة وقادرة على فرض القانون بصورة متساوية على الجميع.
وتطرح حادثة أم درمان أسئلة ملحة حول مستقبل العلاقة بين المواطنين والقوات المسلحة المختلفة، وحول قدرة مؤسسات الدولة على حماية الحقوق الأساسية ومنع الانتهاكات. كما تعيد التذكير بالحاجة إلى تحقيقات مستقلة في جميع الحوادث التي تتضمن ادعاءات بوقوع تجاوزات ضد المدنيين، بغض النظر عن الجهة المتهمة.
وفي ظل حالة الاحتقان الشعبي المتزايدة، يخشى مراقبون أن يؤدي تكرار مثل هذه الحوادث إلى تصاعد موجات الغضب الشعبي، خاصة إذا غابت المحاسبة واستمرت الشكاوى من الانتهاكات دون استجابة رسمية واضحة. ويؤكد هؤلاء أن استعادة الثقة تتطلب إجراءات عملية تبدأ بالتحقيق والشفافية وتنتهي بإخضاع جميع حاملي السلاح لسلطة القانون.
ويبقى السؤال مطروحاً بقوة: هل تتحول هذه الحوادث المتكررة إلى شرارة لغضب شعبي واسع يطالب بوضع حد للانتهاكات وإعادة بناء المنظومة الأمنية على أسس مهنية وقانونية؟ أم أن المشهد سيظل رهيناً لحالة السيولة الأمنية التي فرضتها الحرب وتداعياتها؟ الإجابة ستعتمد إلى حد كبير على قدرة السلطات والقوى الفاعلة على تقديم حلول حقيقية تضمن حماية المدنيين وترسيخ مبدأ المساءلة وسيادة القانون.