السودان: المجاعة تبدأ في الحقل قبل أن تصل إلى المائدة .. حرب تستنزف الأرض والعمالة والتمويل، وإنتاج الحبوب يتراجع 22 في المئة.

كتب - أدم مكرم

قد لا تبدأ المجاعة السودانية القادمة في مخيم للنازحين، ولا في سوق مكتظ بالنساء الباحثات عن القمح والذرة. قد تبدأ في مكان أكثر هدوءًا وأقل ظهورًا: الحقل الذي لم يُزرع.
هذه هي الإشارة التي ينبغي أن تثير القلق الآن.
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد السؤال في السودان هو فقط ما إذا كان الغذاء يصل إلى ملايين الجائعين، وإنما ما إذا كانت البلاد لا تزال تمتلك القدرة على إنتاج الغذاء الذي تحتاجه.
والبيانات الأخيرة تقدم سببًا جديًا للقلق
تقدر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) إنتاج السودان من الحبوب في عام 2025 بنحو 5.2 مليون طن، بانخفاض قدره 22 في المئة عن 2024، وبنحو 19 في المئة عن متوسط السنوات الخمس السابقة. وانخفض إنتاج الذرة الرفيعة، وهي من أهم محاصيل الغذاء في السودان، بنحو 25 في المئة مقارنة بعام 2024، بينما ظل إنتاج الدخن أقل من متوسط السنوات الخمس بنحو 46 في المئة.
هذه ليست مجرد أرقام زراعية.
إنها أرقام تتعلق بالأمن القومي والغذائي وبقدرة الدولة والمجتمع على البقاء.
من 6.7 مليون طن إلى 5.2 مليون طن
كان عام 2024 استثناءً نسبيًا في مسار التدهور.
فقد قدرت FAO إنتاج السودان من الذرة الرفيعة والدخن والقمح بنحو 6.7 مليون طن، بزيادة تتجاوز 60 في المئة عن الإنتاج المنخفض في 2023، وبنحو 7 في المئة فوق متوسط السنوات الخمس السابقة.
لكن هذا التحسن لم يكن دليلًا على تعافي الزراعة السودانية.
لقد ساعدت الأمطار المواتية وانتظامها خلال موسم 2024 على تعويض جزء من الأضرار التي أحدثتها الحرب، بما في ذلك ارتفاع أسعار المدخلات ونقصها واضطراب سلاسل الإمداد.
وفي 2025، عاد أثر الحرب إلى الظهور بصورة أوضح.
تراجع إنتاج الحبوب إلى نحو 5.2 مليون طن.
أي أن السودان فقد في عام واحد نحو 1.5 مليون طن من إنتاج الحبوب مقارنة بعام 2024.
وهذا الرقم وحده يستحق أن يُقرأ باعتباره إنذارًا مبكرًا.
الذرة الرفيعة: غذاء السودان تحت الضغط
في السودان، ليست الذرة الرفيعة مجرد محصول زراعي.
إنها غذاء يومي لملايين السودانيين، ومادة أساسية في صناعة الكسرة وغيرها من الأغذية المحلية. وتقدر FAO مساحة زراعة الذرة الرفيعة في السودان بنحو 5 ملايين هكتار، معظمها في الزراعة المطرية التقليدية وشبه الآلية.
ولهذا فإن تراجع إنتاجها لا يعني فقط انخفاض دخل المزارعين.
إنه يعني ارتفاع تكلفة الغذاء الأساسي بالنسبة إلى الأسر الفقيرة، خصوصًا في المناطق التي تعتمد على الإنتاج المحلي والأسواق القريبة.
وكلما ارتفع سعر الذرة الرفيعة، اتسعت الفجوة بين دخل الأسرة وتكلفة الغذاء.
وهنا تبدأ الأزمة الغذائية بالتحول إلى أزمة قدرة على شراء الغذاء.
المشكلة ليست الأرض
يمتلك السودان إمكانات زراعية ضخمة.
وتشير FAO إلى وجود ثلاثة أنظمة رئيسية للإنتاج الزراعي: الزراعة المروية، والزراعة المطرية شبه الآلية، والزراعة المطرية التقليدية. ويغطي القطاع شبه الآلي وحده نحو 6.7 مليون هكتار، بينما تمتد الزراعة المطرية التقليدية على نحو 9 ملايين هكتار وتوفر سبل العيش لغالبية المزارعين.
إذن المشكلة ليست نقص الأرض.
المشكلة أن الحرب ضربت النظام الذي يحول الأرض إلى غذاء.
فالمزارع يحتاج إلى البذور، والسماد، والوقود، والجرار، والعمال، والتمويل، والطريق إلى السوق، والأمن الذي يسمح له بالوصول إلى أرضه.
وعندما تنهار هذه السلسلة، تصبح الأرض الزراعية مجرد مساحة غير مستغلة.
الحرب تسحب المزارع من الحقل
أحد أخطر آثار الحرب وأقلها قياسًا هو فقدان القوة العاملة الزراعية.
فالزراعة السودانية، خصوصًا المطرية، تعتمد بدرجة كبيرة على العمالة الموسمية.
لكن الحرب غيرت خيارات ملايين الشباب.
بعضهم نزح.
بعضهم دخل سوق العمل غير الرسمي بحثًا عن دخل سريع.
وبعضهم انخرط في القوات المتحاربة.
وبذلك أصبحت الحرب تستنزف المورد الذي تحتاجه الزراعة قبل أي مورد آخر:

الإنسان.
عندما يتحول الشاب من عامل في الحقل إلى مقاتل، لا تخسر الزراعة عاملًا فقط.
إنها تخسر أسرة منتجة، ومهارة، وخبرة محلية، وساعات عمل في موسم زراعي لا يمكن تعويضها بعد انتهائه.
الآلة الزراعية التي لا تصل إلى الحقل
تحتاج الزراعة شبه الآلية إلى الجرارات والحاصدات ومضخات الري وقطع الغيار والوقود.
لكن الحرب أغلقت طرقًا، ودمرت أسواقًا، ورفعت تكاليف النقل، وجعلت وصول المعدات وقطع الغيار أكثر صعوبة.
وفي المناطق التي يعتمد فيها الإنتاج على الآليات، فإن تعطل جرار واحد قد يؤخر زراعة مساحة واسعة.
أما نقص الوقود فيحوّل تكلفة الإنتاج إلى عبء إضافي على المزارع.
وفي يوليو 2026 حذر برنامج الأغذية العالمي من أن ارتفاع أسعار الديزل ونقص الأسمدة، المرتبطين أيضًا بالاضطرابات الإقليمية والحرب في الخليج وإغلاق مضيق هرمز، يمثلان خطرًا إضافيًا على الموسم الزراعي السوداني. وأشار البرنامج إلى اعتماد السودان بدرجة كبيرة على واردات الأسمدة من دول الخليج وعلى الوقود لتشغيل مضخات الري.
وهكذا أصبح الموسم الزراعي السوداني مرتبطًا ليس فقط بالحرب داخل السودان، وإنما أيضًا بصدمات الأسواق والطاقة العالمية.
التمويل: الحلقة المفقودة
هناك أزمة أخرى لا تظهر بسهولة في صور الحرب: الائتمان الزراعي.
المزارع يحتاج إلى التمويل قبل بداية الموسم، بينما لا يحصل على عائده إلا بعد الحصاد.
وفي بيئة مصرفية مضطربة واقتصاد يعاني من التضخم وانخفاض قيمة العملة وارتفاع المخاطر، يصبح الحصول على التمويل الرسمي أكثر صعوبة.
والنتيجة أن المزارع الذي لا يستطيع شراء البذور أو السماد أو الوقود يقلص المساحة المزروعة.
وهذا يقود إلى معادلة خطرة:
نقص التمويل → انخفاض المدخلات → انخفاض المساحة المزروعة → انخفاض الإنتاج → ارتفاع الأسعار → زيادة الجوع.
الأرقام الإنسانية أكثر قسوة
بينما يتراجع الإنتاج، تتسع الحاجة.
تشير أحدث بيانات IPC إلى أن نحو 19.5 مليون شخص، أي حوالي 41 في المئة من السكان، يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي حتى مايو 2026.
ومن بينهم نحو 135 ألف شخص في المرحلة الخامسة، أي مستوى الكارثة، بينما يوجد أكثر من خمسة ملايين شخص في مرحلة الطوارئ ونحو 14 مليونًا في مرحلة الأزمة.
كما حدد تحليل IPC 14 منطقة في شمال دارفور وجنوب دارفور وجنوب كردفان معرضة لخطر المجاعة إذا تصاعد الصراع وتدهور الوصول إلى الغذاء والخدمات والمساعدات.
وتتوقع التقديرات أن يعاني نحو 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد الشديد في 2026.
هذه الأرقام تجعل تراجع الإنتاج الزراعي أكثر خطورة.
فالسودان لا يواجه أزمة غذاء في بلد مستقر.
إنه يواجهها في بلد تتراجع فيه القدرة على إنتاج الغذاء، وتتزايد فيه الحاجة، وتتقلص فيه القدرة على إيصال المساعدات.
المجاعة لا تبدأ عند إعلانها
الخطأ الأكبر هو انتظار إعلان المجاعة حتى نبدأ في التحرك.
المجاعة لها مؤشرات تسبقها.
من أهمها:
– تراجع المساحات المزروعة.
– انخفاض إنتاج الذرة الرفيعة والدخن.
– ارتفاع أسعار البذور والأسمدة.
– نقص الوقود.
– خروج العمالة الزراعية من مناطق الإنتاج.
– انخفاض التمويل الزراعي.
– تعطل الآليات.
– ارتفاع أسعار الحبوب.
– تراجع القدرة الشرائية للأسر.
– انقطاع الطرق بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.
– زيادة النزوح من مناطق الزراعة.
– تراجع مخزونات الحبوب.
– انخفاض قدرة الأسواق المحلية على توفير الغذاء.
عندما تتحرك هذه المؤشرات في الاتجاه نفسه، لا نكون أمام أزمة غذائية عابرة.
نكون أمام أزمة في النظام الغذائي نفسه.
السودان قد يخسر موسمه قبل أن يخسر محصوله
الخطر الأكبر في 2026 ليس فقط ما حدث في موسم 2025.
إنه ما يمكن أن يحدث في الموسم القادم إذا استمرت الحرب بالوتيرة نفسها.
فالزراعة دورة اقتصادية.
المزارع الذي خسر محصوله العام الماضي قد لا يملك رأس المال لزراعة هذا العام.
والآلة التي تعطلت تحتاج إلى قطع غيار.
والعامل الذي نزح قد لا يعود.
والحقل الذي أصبح قريبًا من منطقة قتال قد يظل خارج الإنتاج.
والأسمدة التي ارتفعت أسعارها قد تصبح ببساطة خارج قدرة المزارع على الشراء.

وهكذا يمكن أن يتحول انخفاض الإنتاج في موسم واحد إلى تراجع هيكلي في القدرة الإنتاجية.
من المساعدات إلى إنقاذ الإنتاج
لا يمكن للمساعدات الإنسانية وحدها أن تحل الأزمة.
المساعدات ضرورية لإنقاذ حياة الملايين الآن، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الاقتصاد الزراعي السوداني.
المطلوب هو الجمع بين الاستجابة الإنسانية والاستجابة الإنتاجية.
إنقاذ الموسم الزراعي يجب أن يصبح أولوية دولية، بما يشمل:
تأمين وصول المزارعين إلى أراضيهم، توفير البذور والأسمدة، دعم الوقود الزراعي، إصلاح الآليات، توفير التمويل، فتح طرق التجارة، حماية الأسواق، ودعم صغار المنتجين.
وكل دولار يُستثمر في إبقاء المزارع داخل الحقل قد يوفر لاحقًا أضعافه في تكلفة المساعدات الغذائية.
إنذار للعالم
السودان لا يحتاج إلى أن ينتظر اللحظة التي تعلن فيها المؤسسات الدولية مجاعة واسعة حتى يتحرك العالم.
البيانات موجودة بالفعل.
الإنتاج انخفض من 6.7 مليون طن من الحبوب في 2024 إلى نحو 5.2 مليون طن في 2025.
إنتاج الذرة الرفيعة انخفض 25 في المئة.
الدخن لا يزال أقل بكثير من متوسطه التاريخي.
نحو 19.5 مليون شخص يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي.
و14 منطقة معرضة لخطر المجاعة في سيناريو استمرار التدهور.
هذه ليست نبوءة بمجاعة حتمية.
لكنها منظومة إنذار مبكر لا يجوز تجاهلها.
والسؤال الذي يجب أن يواجهه المجتمع الدولي الآن ليس فقط:
كم طنًا من الغذاء يحتاج السودان؟

بل:
كم هكتارًا من السودان ما زال قادرًا على الزراعة؟
وكم مزارعًا ما زال في حقله؟
وكم جرارًا ما زال يعمل؟
وكم طنًا من الذرة الرفيعة يمكن أن ينتجه السودان إذا استمرت الحرب؟
لأن المجاعة لا تبدأ عندما تخلو رفوف الأسواق.
المجاعة تبدأ قبل ذلك بكثير؛ عندما يفقد المجتمع قدرته على إنتاج غذائه.
وفي السودان، بدأت هذه الإشارة تظهر بالفعل في الحقول.
م / آدم مكرم
كمبالا ١٢ اغسطس ٢٠٢٦ م
engineermakram@gmail.com

Comments (0)
Add Comment