«الجمرة بتحرق الواطيها».. لاجئون سودانيون يتحدثون عن السودان بوعيٍ “فاق” أهل السياسة..؟!

كتب - مجاهد عبدالله

لم تكن كمبالا في ذلك اليوم تشبه كمبالا التي يعرفها أهلها.. كان الحر “أثقل” من المعتاد، والهواء يمشي ببطء تحت وطأة سماء “مثقلة” بالحرارة، لكن في أحد أحياء العاصمة الأوغندية، وتحت خيمة نصبت في الهواء “الطلق”، كان خمسون لاجئا سودانياً يجلسون في انتظار شيء آخر غير الظل..! كانوا ينتظرون مساحة للكلام، مساحة يمكن أن يخرجوا فيها ما ظل عالقاً في صدورهم منذ أن حملتهم الحرب بعيداً عن بيوتهم وأهلهم ووطنهم.. كان عنوان الورشة «الطريق إلى السلام»، لكن ما جرى تحت تلك الخيمة تجاوز العنوان نفسه، وتحولت الورشة شيئاً فشيئاً إلى مساحة للبوح و”الفضفضة”، ثم إلى مائدة مستديرة ناقشت السودان وحربه وأزماته ومستقبله، ولكن بأصوات أناس لم تعتد المنابر السياسية أن تستمع إليهم.

لم تكن هناك منصة عالية..!” “تُفْرِزُ” بين المتحدثين والمشاركين، ولا مقاعد مخصصة لأصحاب الألقاب، ولا أوراق تحمل خطابات سياسية جاهزة.. كان هناك فقط لاجئون سودانيون من أعمار و”خلفيات” تعليمية وسياسية وجهوية مختلفة، رجال ونساء، شباب وشابات، بعضهم لديه انتماءات سياسية وبعضهم ليست له علاقة بالسياسة، لكن الجميع كان يحمل تجربة لا يمكن لأي شهادة أو لقب أن يمنح صاحبها مثلها: تجربة الحرب، وتجربة اللجوء، وتجربة الابتعاد القسري عن الوطن. وربما لهذا السبب تحديداً، كان لكل واحد منهم شيء يريد أن يقوله، وكأن هذا اليوم تأخر كثيراً.

الورشة التي نظمها مركز “سلام ميديا” لعدد 50 لاجئاً سودانياً بحي كايمبي “إمبوقو” بالعاصمة الأوغندية كمبالا، يوم الثلاثاء 28 يوليو المنصرم، والتي جاءت ضمن سلسلة حلقات «المقهى المعرفي» التي يعمل عليها المركز، وكانت تحمل عنوان «الطريق إلى السلام»..تطرقت إلى ثلاثة موضوعات حية، هدفت إلى تعليم اللاجئين وتدريبهم عليها، كتابة القصة الإنسانية المؤثرة، قدمتها “المدربة” إيثار الشيخ، وصناعة البودكاست قدمتها “المدربة” ريم محمد عبدالله، فيما تناول “المدرب” القدال حسن القصة الإنسانية من خلال الصورة الفوتوغرافية أو الفيديو. كان البرنامج، في ظاهره، ورشة تدريبية مثل كثير من الورش، لكن ما حدث لاحقاً جعل من الصعب أن يظل الأمر مجرد تدريب على مهارات إعلامية.

فشيئاً فشيئاً، بدأت الورشة تخرج من إطارها المرسوم.. كان أحد المشاركين يبدأ حديثه عن موضوع الورشة، ثم يجد نفسه يتحدث عن أهله الذين تركهم خلفه، أو عن تجربة عاشها مع الحرب، أو عن ظروفه الخاصة في اللجوء. وكان آخر ينتقل من الحديث عن السلام إلى الحديث عن أسباب الحرب، ثم عن السودان الذي ظل يعاني عدم الاستقرار منذ الاستقلال. اختلط العام بالخاص، والسياسي بالإنساني، والحاضر بالمستقبل..!، حتى أصبح واضحاً أن المشاركين لم يكونوا في حاجة فقط إلى تعلم كتابة قصة أو صناعة بودكاست، وإنما كانوا في حاجة “ماسة” إلى منبر يستطيعون من خلاله أن يقولوا ما في دواخلهم دون خوف أو وجل أو مقاطعة..!.

وهنا بدت “المدربة” إيثار وكأنها أدركت، بذكاء شديد، أن هناك أشياء أهم من الالتزام الحرفي بموضوع الورشة.. فحين كان أحد المتدربين يخرج عن النص ليتحدث عن معاناته أو عن ظروفه الخاصة، لم تكن تقاطعه لتعيده إلى الموضوع، بل كانت تتركه يكمل حديثه حتى النهاية.. كانت تستقبله بابتسامة لا تكاد تفارق شفتيها، وأحياناً كانت تضحك ملء شدقيها تفاعلاً مع بعض القصص التي تروى، حتى يخيل إليك أنها تقول للمتحدث.. هل من مزيد؟ تكلم، فهنا لا أحد سيقاطعك.. وربما كانت، عن قصد أو من دون قصد، تستعين في تلك اللحظات بشيء من علم النفس، لأن الإنسان الذي طال به الألم بعيداً عن أهله وذويه يحتاج أحياناً إلى أكثر من محاضرة أو تدريب، يحتاج فقط إلى مساحة آمنة يخرج فيها الهواء الساخن المتراكم داخله.

ولهذا لم تعد الخيمة مجرد مكان لتلقي المعرفة.. تحولت إلى ما يشبه جلسة “فضفضة” جماعية، أناسٌ طال بهم البعد عن الوطن، فوجدوا أخيراً مكاناً يستطيعون فيه أن يتركوا مشاعرهم تمضي إلى حيث تريد. كانت بعض القصص شخصية جداً، وبعضها شديد القرب من الوجع، لكن اللافت أن الحديث لم يتوقف عند حدود المعاناة الشخصية.. فكلما خرجت قصة من قلب أحدهم، كانت تفتح باباً إلى قصة السودان نفسه، إلى الحرب والسلام، إلى الدولة التي لم تستطع أن تجد طريقها إلى الاستقرار، وإلى السؤال الكبير الذي ظل يلاحق السودانيين منذ سنوات.. كيف يمكن أن تتوقف هذه الحرب، وكيف يمكن أن يصبح السلام دائماً لا مجرد هدنة مؤقتة.

وعند هذه النقطة تحديداً، كانت المفاجأة الأكبر. فقد كانت رؤى وأفكار اللاجئين السودانيين حول الحرب والسلام أكثر نضجاً مما قد يتوقعه المرء.. لم يكونوا يتحدثون فقط بانفعال الضحية، بل كانوا يناقشون الأزمة، يبحثون عن جذورها، يطرحون رؤى للحل، ويجادلون حول ما يمكن فعله لإيقاف الحرب واستدامة السلام. وعندما تصغي إلى حديثهم وتقارنه بما تمتلئ به الفضاءات من خطابات وأحاديث للنخب السياسية التي تتصدر المشهد السوداني الآن، تجد نفسك أمام مفارقة تستحق التوقف طويلاً.. هؤلاء السودانيون العاديون، الذين لا يملكون منابر سياسية ولا أحزاباً ولا مؤسسات، يمتلكون في كثير من الأحيان قدرة كبيرة على طرح الرؤى ومناقشتها والبحث عن حلول عملية للأزمة الطاحنة التي تعيشها بلادهم، وربما تفوق هذه القدرة أحياناً قدرات بعض الذين اعتلوا المشهد السياسي في غفلة من الزمن..؟!.

والسبب، ربما، بسيط جداً. هؤلاء ينطبق عليهم المثل السوداني الذي يقول: «الجمرة بتحرق الواطيها». لقد وطئوا الجمرة بأقدامهم، ويكتوون بها في كل يوم تشرق فيه الشمس. الحرب بالنسبة إليهم ليست خبراً في شاشة ولابيانا سياسيا ولارقما في نشرة اخبار، الحرب هي بيت تركوه، وأهل ابتعدوا عنهم، وأصدقاء فقدوهم، وحياة تبدلت، ومستقبل أصبح معلقاً بين وطن لا يستطيعون العودة إليه وحاضر لم يختاروه.. ولذلك فإنهم يشعرون بالألم بطريقة مختلفة، ويرون الأزمة من داخلها، لا من خلف المكاتب والمنابر.. ولأن «المعاناة تولد الإبداع»، فقد تحولت معاناتهم شيئاً فشيئاً إلى وعي، وتحول الوجع إلى أسئلة، وتحولت الأسئلة إلى رؤى، وربما تحولت الرؤى إلى حلول يمكن تطبيقها عملياً إذا وجدت من يصغي إليها.

ولعل ما يجعل هذه الرؤى أكثر أهمية أن المشاركين لم يكونوا مجموعة “متجانسة” يمكن أن تعكس رأياً سياسياً واحداً أو منطقة واحدة أو طبقة اجتماعية واحدة.. كانوا رجالاً ونساءً، شباباً وشابات، من مستويات عمرية وتعليمية مختلفة، ومن خلفيات سياسية متعددة، ومن جهات مختلفة في السودان، وبينهم من يعرف السياسة جيداً ومن لا يملك منها إلا ما عاشه في حياته اليومية. ولذلك فإن ما خرج من الخيمة لم يكن بالضرورة رأي مجموعة صغيرة، بقدر ما كان تعبيراً عن مشاعر وأفكار اللاجئين السودانيين المنتشرين في دول العالم المختلفة؛ أناس يحملون السودان في قلوبهم، ويشاهدون انهياره من بعيد، لكنهم، رغم ذلك، لم يفقدوا قدرتهم على التفكير في كيفية إنقاذه.

ومن هنا تبدو أهمية الطريقة التي اختار بها مركز “سلام ميديا” وربانه، الدكتور عباس التجاني، أن يعمل خارج قاعات المركز في حي “بوكوتو”، وأن ينقل أنشطته إلى الأحياء التي يعيش فيها اللاجئون. فهذه الخطوة ليست مجرد تغيير في مكان إقامة الورشة، وإنما هي انتقال بالمعرفة نفسها إلى الناس، إلى حيث يعيشون ويعانون ويتحركون. وربما كان ذلك أحد أوجه التفكير “خارج الصندوق” التي جعلت المركز، باعتباره من منظمات المجتمع المدني السودانية، يكتشف أن المعرفة ليست حكراً على النخب السياسية والثقافية، وأن من يجلسون بعيداً عن الأضواء قد يملكون ما يستحق أن يسمعه الجميع.

لقد كانت النتيجة أن التصق المركز باللاجئين، ولم يكتف بأن يتحدث إليهم، بل تركهم يتحدثون أيضاً.. وعندما تحدثوا، لم يخرجوا فقط بما تعلموه من المدربين عن كتابة القصة أو صناعة البودكاست أو استخدام الصورة، وإنما كشفوا عن قصة أكبر بكثير: قصة مواطنين سودانيين دفعتهم الحرب إلى خارج وطنهم، لكنها لم تستطع أن تنتزع منهم علاقتهم به، ولا قدرتهم على التفكير في مستقبله.

وربما كان أجمل ما في تلك الخيمة أن السودان، رغم بعده الجغرافي، كان حاضراً فيها بقوة.. كان حاضراً في الضحكات، وفي الصمت، وفي القصص، وفي الحنين إلى الأهل، وفي النقاشات التي لم يكن أحد يريد لها أن تنتهي. كان حاضراً في كل مرة ذكر فيها أحدهم كلمة «السلام»، لأن السلام بالنسبة إلى هؤلاء لم يعد مفهوماً سياسياً مجرداً؛ إنه العودة إلى البيت، والاطمئنان على الأهل، والنوم من دون خوف، وفتح باب المستقبل أمام الأطفال، وأن يصبح السودان أخيراً وطناً يستطيع أبناؤه أن يعيشوا فيه لا أن يفروا منه.

وفي نهاية ذلك اليوم، ربما لم يكن أحد قد وجد الإجابة الكاملة عن سؤال السودان الكبير، وربما لم تكن هناك وصفة جاهزة لإيقاف الحرب. لكن شيئاً مهماً حدث تحت تلك الخيمة.. خمسون لاجئا سودانياً وجدوا مساحة للكلام، واكتشفوا أن أصواتهم تستحق أن تُسمع، وأن تجاربهم ليست مجرد حكايات شخصية يمكن تجاوزها، وإنما يمكن أن تكون مصدراً للرؤية والفهم والحلول.

فالسلام، في النهاية، لا يبدأ دائماً من القاعات المغلقة، ولا يولد بالضرورة من أفواه السياسيين وحدهم. أحياناً يبدأ من خيمة صغيرة في حي من احياء العاصمة الاوغندية كمبالا، حين يجلس أناس عاديون، أحرقتهم الحرب وأبعدتهم عن وطنهم، ثم يُقال لهم لأول مرة منذ زمن طويل.. تحدثوا.
وحين تحدثوا، لم يكتفوا بالفضفضة.. لقد تحدثوا عن السودان.. وحين تحدث الذين تحرقهم الجمرة عن وطنهم، اكتشفنا أنهم ربما يعرفون الطريق إلى إطفائها أكثر من الذين ظلوا يتحدثون في المنابر السياسية باسمهم ويختطفون أحلامهم ومستقبلهم..!.

Comments (0)
Add Comment