منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، لم تعد معركة الجيش السوداني وقوات الدعم السريع حرباً داخلية خالصة. فمع امتداد القتال وتبدل موازين القوى، تحولت خطوط الإمداد إلى جزء أساسي من المعركة، وتداخلت حسابات العواصم الإقليمية مع شبكات السلاح والمال والسياسة، وفي السياق تشير تقارير وأبحاث متعددة إلى أن الجيش السوداني استفاد، بدرجات مختلفة، من دعم “مصر وإيران وتركيا وقطر والسعودية” لكن طبيعة هذا الدعم ليست واحدة؛ فبعضه عسكري مباشر أو عبر صفقات تجارية، وبعضه مالي وسياسي، وبعضه يمر عبر دول ثالثة وشبكات مرتبطة برجال أعمال وقيادات من النظام السابق، وفي هذه الخريطة تبرز “تركيا وقطر والسعودية” لا باعتبارها كتلة متجانسة، وإنما كأطراف تتحرك بدوافع مختلفة، يلتقي بعضها عند الرغبة في حماية النفوذ والمصالح في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بينما تتقاطع تركيا وقطر بصورة خاصة مع شبكات الإسلاميين السودانيين التي أعادت تنظيم نفسها خلال الحرب.
تركيا .. السلاح الأكثر وضوحاً:
من بين الدول الثلاث، تمتلك تركيا أوضح سجل موثق بشأن نوعية الأسلحة التي وصلت إلى الجيش السوداني، وقد وثقت منظمة العفو الدولية استخدام قوات الجيش السوداني أسلحة تركية الصنع، بينها بنادق SAR 15T التي تنتجها شركة سارسيـلماز، إضافة إلى بنادق SAR56 وSAR 223T وMPT-76H. وتظهر هذه الأسلحة بصورة خاصة لدى أفراد الحماية المقربين من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان. كما وثقت المنظمة وصول بنادق تركية أخرى من شركة System Defense إلى أجهزة أمنية سودانية قبل اندلاع الحرب، لكن التطور الأهم جاء في مجال الطائرات المسيّرة، ففي مارس 2025، كشفت صحيفة واشنطن بوست، استناداً إلى وثائق وعقود ورسائل وبيانات رحلات، عن صفقة بين شركة بايكار التركية والجيش السوداني تضمنت ما لا يقل عن ثماني طائرات مسيّرة من طراز Bayraktar TB2 ومئات الرؤوس الحربية، بقيمة لا تقل عن 120 مليون دولار، وفق الوثائق التي حصلت عليها الصحيفة، وتقول التحقيقات إن موظفين من الشركة كانوا موجودين في السودان لمتابعة تشغيل المنظومة.
وفي نوفمبر 2024، أفادت تقارير سودانية بأن الجيش بدأ استخدام طائرات Bayraktar TB2 في عمليات قتالية داخل ولاية الخرطوم، خصوصاً لاستهداف مواقع مدفعية الدعم السريع. كما وثقت مصادر أوروبية استخدام الجيش لهذه المسيّرات في الحرب، وتكتسب هذه الصفقة أهمية تتجاوز السلاح نفسه. فالطائرة التركية نقلت الجيش من الاعتماد التقليدي على سلاح الجو إلى نمط أكثر مرونة في الاستطلاع والاستهداف والهجوم، وأصبحت المسيّرات أحد العناصر التي ساعدت الجيش في استعادة زمام المبادرة في معارك الخرطوم، ومع ذلك، تنفي أنقرة رسمياً تقديم دعم عسكري لأطراف الحرب، وتقول إن سياستها منذ بداية النزاع قامت على عدم التدخل العسكري.
السعودية .. دعم عبر الوسيط:
وبالنسبة للسعودية، فان الصورة أكثر تعقيداً، فالرياض ظهرت منذ بداية الحرب بوصفها وسيطاً رئيسياً، بالاشتراك مع الولايات المتحدة، في محادثات جدة. وفي الوقت نفسه، تصاعدت التقارير عن انحياز عملي متزايد نحو الجيش، خصوصاً مع اتساع نفوذ قوات الدعم السريع وحلفائها الإقليميين، وتكشف تقارير حديثة عن مسار أكثر مباشرة: صفقة تسليح سودانية – باكستانية تقدر بنحو 1.5 مليار دولار، لعبت السعودية دوراً في تمويلها أو التوسط فيها. وكانت التقارير قد تحدثت عن مقاتلات JF-17 وطائرات تدريب K-8 ومسيّرات ومركبات مدرعة ومنظومات دفاع جوي، لكن الملف شهد تحولاً لافتاً في 2026؛ إذ أفادت رويترز بأن باكستان أوقفت الصفقة بعد أن سحبت الرياض دعمها المالي وطالبت بإنهائها. وهذا التطور مهم لأنه يكشف أن الدعم السعودي للجيش لم يكن بالضرورة مشروعاً عسكرياً مفتوحاً بلا سقف، وإنما خضع لحسابات سياسية ودبلوماسية متغيرة، وبذلك، فإن وصف السعودية بأنها “مورد مباشر للسلاح” يحتاج إلى قدر من التحفظ. والأدلة المتاحة تدعم بصورة أقوى دورها في التمويل والتسهيل والوساطة في صفقات تسليح، أكثر من وجود شحنات سعودية مباشرة موثقة لمنظومات محددة.
قطر.. ظهور أقل وارتباط أكثر بالشبكات:
وبالنسبة لقطر فإنها تمثل حالة مختلفة، فالتقارير المتاحة تشير إلى دعم سياسي ومالي للجيش والسلطات الموجودة في بورتسودان، وإلى صلات بشبكات اقتصادية وسياسية سودانية، لكن المعلومات المنشورة حول أنواع محددة من الأسلحة القطرية أقل وضوحاً بكثير من الحالة التركية، وتشير دراسة لمعهد أبحاث الدفاع السويدي إلى أن قطر قدمت دعماً مالياً للجيش السوداني، بينما نسبت إلى تركيا دعماً بالأسلحة الصغيرة والخفيفة، وفي أكتوبر 2025، تحدثت Africa Intelligence عن دعم عسكري قطري “منخفض الظهور” للجيش، ووصفت الدوحة بأنها داعم سياسي ومالي للبرهان، مع الإشارة إلى إمدادات من الأسلحة. غير أن التفاصيل المنشورة علناً لا تسمح بإسناد منظومة سلاح بعينها إلى قطر بدرجة الثقة نفسها التي يمكن بها إسناد المسيّرات التركية إلى تركيا.
ويبدو أن الأكثر أهمية في الحالة القطرية هو شبكة العلاقات السياسية، المرتبطة بالإسلاميين، ويبدو واضحاً أنها الحلقة التي تصل السلاح بالسياسة، فيما يصعب فهم علاقة تركيا وقطر بالسودان من دون العودة إلى عهد عمر البشير، فقد نشأت خلال حكم البشير شراكة وثيقة بين الخرطوم وأنقرة والدوحة. وكانت تركيا قد حصلت على موطئ قدم استراتيجي في جزيرة سواكن على البحر الأحمر، فيما ارتبطت قطر بمشروعات كبيرة في الجزيرة والموانئ السودانية. وفي الخلفية كانت العلاقة السياسية بين النظام السوداني والحركة الإسلامية السودانية عاملاً مهماً في صياغة هذا المحور، وبعد سقوط البشير في 2019 تراجعت هذه الشراكة، خصوصاً مع صعود نفوذ السعودية والإمارات ومصر. لكن الحرب أعادت بعض الشبكات القديمة إلى الواجهة.
تقارير رويترز ودراسة تشاتام هاوس:
وتشير دراسة حديثة لـ”تشاتام هاوس” إلى أن تركيا وقطر استضافتا أعضاء سابقين من النظام الإسلامي للبشير، وأن بعض هذه الشبكات لعب دوراً في توفير التمويل والمعدات للجهد الحربي للجيش، وفي المقابل، تؤكد تقارير رويترز أن الحركة الإسلامية السودانية نفسها أعادت بناء نفوذها من خلال الحرب، وأن آلاف المقاتلين المرتبطين بها يقاتلون إلى جانب الجيش، بينما يحاول قادتها استثمار الحرب للعودة إلى المجال السياسي، وهنا يجب التفريق بين أمرين: وجود إسلاميين داخل منظومة الحرب لا يعني أن تركيا وقطر تدعمان الجيش حصراً بسبب انتمائه الإسلامي. فمصالح أنقرة والدوحة تشمل البحر الأحمر، والاستثمارات، والنفوذ الإقليمي، ومواجهة الخصوم، إضافة إلى الروابط التاريخية مع التيارات الإسلامية. لكن هذه الشبكات وفرت جسراً بشرياً ومالياً وسياسياً بين الخارج والداخل.
موقف الرياض من الأيديولوجيا:
غير أن السعودية تقف في موقع مختلف أيديولوجياً، فالرياض كانت تاريخياً أقرب إلى مواجهة صعود الإسلام السياسي المرتبط بالإخوان المسلمين، كما أن السعودية والإمارات كانتا بعد سقوط البشير تسعيان إلى تقليص نفوذ الإسلاميين وشركائهم في تركيا وقطر. وتشير دراسات كارنيغي إلى أن دعم الرياض وأبوظبي للمؤسسة العسكرية السودانية بعد سقوط البشير كان جزءاً من استراتيجية هدفت، ضمن أهداف أخرى، إلى إبعاد الإسلاميين وحلفائهم القطريين والأتراك عن السلطة، لكن الحرب أعادت إنتاج مفارقة سياسية: دعم الجيش، الذي تتزايد داخله قوة التيار الإسلامي، يمكن أن يؤدي بصورة غير مباشرة إلى تقوية قوى كانت الرياض نفسها تنظر إليها باعتبارها تهديداً، وهذا ما يفسر جانباً من التناقض بين الموقف السعودي المعلن والمشهد على الأرض. ففي بيان مشترك حديث، أكدت السعودية رفضها أن تتحكم في مستقبل السودان جماعات متطرفة مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وشددت على أن الدعم العسكري الخارجي يطيل أمد الحرب.
حرب بالوكالة .. أم تنافس على السودان؟
وتكشف خريطة السلاح أن الحرب السودانية تحولت إلى سوق إقليمية متعددة المسارات. تركيا وفرت للجيش تكنولوجيا عسكرية نوعية، خصوصاً المسيّرات؛ والسعودية دخلت أكثر في مجال التمويل والتسهيل والصفقات عبر طرف ثالث؛ بينما تبدو قطر أكثر حضوراً في المجال السياسي والمالي والشبكات المرتبطة بالنظام السابق، مع تقارير عن دعم عسكري أقل وضوحاً، لكن اختزال المشهد في “محور تركي – قطري – سعودي داعم للجيش” سيكون تبسيطاً مضللاً، فهذه الدول لا تتحرك وفق أجندة واحدة، ولا تنطلق من موقف أيديولوجي مشترك تجاه الحركة الإسلامية، الحقيقة الأكثر تعقيداً هي أن الجيش السوداني أصبح نقطة التقاء مصالح متباينة: تركيا تريد الحفاظ على نفوذها في البحر الأحمر وأفريقيا، وقطر تسعى إلى استعادة مساحة نفوذ فقدتها بعد سقوط البشير، والسعودية تريد منع تحول السودان إلى قاعدة نفوذ لمنافسيها وحماية أمن البحر الأحمر.
أما الإسلاميون، فقد استغلوا هذا التنافس أكثر مما صنعوه. ومع طول الحرب، تمكنوا من إعادة بناء شبكاتهم داخل المؤسسة العسكرية وخارجها، بحيث أصبح السؤال ليس فقط: من يسلح الجيش السوداني؟ بل أيضاً: من سيستفيد سياسياً من الجيش الذي ينتصر في هذه الحرب؟ وهنا تكمن القضية الأهم. فالسلاح التركي أو الصفقة التي توسطت فيها السعودية أو شبكة التمويل المرتبطة بقطر لا تغير وحدها مستقبل السودان. الذي يغيره هو الطرف الذي يستطيع تحويل هذا الدعم العسكري إلى نفوذ سياسي دائم، وبينما تتدفق المسيّرات والذخائر والتمويل عبر خطوط إقليمية متشابكة، يظل السودان أمام الخطر الأكبر: أن تنتهي الحرب عسكرياً، لكنها تترك وراءها دولة أكثر عسكرة، وشبكات إسلامية أكثر تنظيماً، ونفوذاً إقليمياً أكثر عمقاً، وسلاماً أقل قدرة على إنتاج دولة مدنية مستقرة.