حين يقع الأستاذ الجامعي .. في وحل التحيز الأعمى!!

كتب - د. عمر القراي

(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ) صدق الله العظيم.

حين بدأت كتائب الإخوان المسلمين الحرب، وجرت إليها الجيش، لأنها تسيطر على قياداته، أعلنوا أنهم سيقضون على “الدعم السريع” في ساعات!! ولما مرت الساعات، قالوا إنهم سيقضون عليه في أيام، دون أن يعتذروا عن تصريحهم الأول، أو يبرروا سبب فشله. ومرت الأيام والشهور، ولم يوضحوا للشعب، لماذا لم يستطيعوا القضاء على “الدعم السريع”، كما زعموا، حتى بعد مرور سنوات على الحرب!! ثم إنهم بعد أن نجحوا في إجلاء “الدعم السريع” من الخرطوم، باستعمالهم السلاح الكيميائي، المحرم دولياً، وجدوا أن الخرطوم خاوية على عروشها، وأنهم ليس لديهم مواطنين، ليرهقوهم بالجبايات، وليس لديهم شباب، ليستنفروهم للحرب، نيابة عن أبنائهم، الذين يدرسون، ويمرحون، ويتمتعون بأموال الشعب، التي نهبها آباؤهم طوال عهد الإنقاذ البائد، في تركيا، وقطر، وماليزيا، ومصر، ودول أوروبا. من أجل ذلك، أطلقوا نداء العودة للسودانيين الذين هم في الخارج. بل أوعزوا الى الحكومة المصرية، أن تضيّق عليهم، حتى يعودوا مضطرين الى السودان، ليؤكدوا دعاية الحكومة، بأن الوضع تحت سيطرتهم تماماً، وأن الحياة عادت كما كانت، في المناطق التي يسيطرون عليها. والغرض من ذلك، هو تأكيد شرعيتهم المزعومة، أمام المجتمع الإقليمي والدولي، حتى يباعدوا بينهم وبين ما طرح من إبعادهم عن أي حوار، أو مشاركة في الوضع السياسي القادم. ولقد استجاب كثير من المواطنين لدعايتهم، المكثفة، المضللة، وعادوا إلى الخرطوم. لكنهم لم يجدوا شيئاً، بل إن منهم من قال، إن الوضع أسوأ من وقت القتال. وزاد الأمر سوءاً، ما رأوا من آثار السلاح الكيميائي على المواطنين، وعدم وجود علاج، أو نظافة، أو صحة بيئة، أو عمل يسترزق منه الناس. أسوأ من ذلك، وجدوا انعدام الأمن، ونهب المواطنين جهاراً نهاراً، بواسطة جنود المشتركة، أو الجيش.. الى جانب غياب القانون، والقبض على الناس بالشبهات والظنون، ومحاكمتهم بلا دليل، بتلفيق الاتهام بمعاونة “الدعم السريع”!! فرجع بعضهم، ونزح آخرون إلى مناطق أخرى داخل السودان، وسقطت أكاذيب حكومة البرهان، أمام اختبار الواقع، للحد الذي جعل أحد أبواقها، وهو “الانصرافي”، الذي شجع في البداية، رجوع المواطنين، وقيل إنه دفع للباصات، التي حملتهم من مصر، أن يخرج في تسجيل، ويحرض على عدم العودة، ويقول للبرهان، لماذا لم تحضروا أنتم أولادكم للخرطوم، إذا كان الوضع جيد ومستقر؟!
ولتحقيق هذا الغرض السياسي، الذي يتناسب مع حلم الإخوان المسلمين في الرجوع الى الحكم، بعد أن أسقط الشعب في ثورة ديسمبر المجيدة حكومتهم، أخذوا يستغلون التعليم، كوسيلة ضغط على الأسر. فأصدرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، القرار رقم 83 لسنة 2026م، والذي حددت فيه الأول من أغسطس، موعداً أقصى لعودة جميع الطلاب والأساتذة، إلى المقار الأصلية لجامعاتهم، وإغلاق الجامعات السودانية في الخارج. وكان قد سبق ذلك، بيان أساتذة كلية الطب، الذين دخلوا في إضراب مفتوح، بسبب تردي الأوضاع، وعدم تناسب مرتباتهم، مع غلاء المعيشة الخرافي. ولما كانت الجامعات، بعضها في مناطق خارج سيطرة حكومة البرهان، والتي في مناطق سيطرته، مبانيها مهدمة، وادواتها ومقاعدها حطمت، ونهبت، حسب تصريح عميد كلية الطب، ومعظم الأساتذة لا زالوا خارج السودان، والذين بالداخل دخلوا في إضراب، فإن قرار وزارة التعليم العالي، لا يعدو أن يكون دعاية سياسية رخيصة، لا علاقة لها بالتعليم، ومصلحة الطلاب، أو مصلحة البلاد، من قريب أو بعيد.
وفي نفس اتجاه التضليل، والمتاجرة بالتعليم، تداولت الوسائط، تسجيل مسرب، للدكتور ياسر حنفي، رئيس قسم الجراحة، بكلية الطب، بجامعة الخرطوم. وهو حديث أسوأ من بيان وزارة التعليم العالي، لأنه انطوى على تعال وغرور، وتهديد لطلابه، وإساءة لزملائه الأساتذة، مما يجرده من كل قيمة تربوية، أو مهنية، أو أخلاقية. يطالب د. ياسر طلابه بالعودة، ليؤدوا الامتحان، ويقول (لو امتحن زول واحد والبقية كلهم رسوب راح نكتب قدام اسمهم F ودي ما حتنزل من اسمهم لحدي ما يموتوا.. وليكن في علمك وعلم الناس المعاك وعلم الأسرة الوهمية بتاعتكم دي البترسل رسايل عبر كلية التربية لكلية العلوم لينا انو الما بخش الامتحان ما بنعتبرو ما موجود بنعتبرو غياب بدون عذر نتيجته بتكون F ودي ما راح تتمسح لحدي ما تموتوا ومحل ما تمشوا تقدموا ال script حتكون فيه الF دي.. طالب واحد لو أمتحن، كلكم رسوب ما امتحنتوا، راح تاخدوا F ليكن في علمكم تماماً، وأمشوا سكوا لي ناس شداد وناس صفاء والقحاطة المتابعنهم ديل.. رسلو الرسالة دي لأي زول.. انا بحضر ليكم امتحان Master Examination أي واحد بفهم.. الغنماية الفي الشارع دي لو دخلت الامتحان حتنجح.. شفت ست الشاي رشيدة دي، رشيدة القاعدة برا تبيع الشاي جنبنا هنا، لو دخلت الامتحان الأنا ختيتو ليكم common sense حتنجح.. ما فيهو أي تعقيدات، ما فيهو أي حاجة خارج حدود الشيء الدرسناه ليكم، حتى لو في حاجة بالنسبة ليك ما واضحة، ما فاهما، ما عارف قاصدين بيها شنو، أسأل.. بنوريك، ولما تفهم السؤال دي نص الإجابة.. كلم الناس المعاك كلهم حنحضر ليكم Master Examination في السلاح الطبي External Examiner سعادة الفريق زكريا.. بنجند كل الناس وكل الناس البكون قلبهم على البلد دي) ثم تحدث عن زملائه الأساتذة بالخارج وقال (الناس ديل قاعدين برا ضامنين مستقبلهم شغالين بآلاف الريالات والدراهم، وقالوا عديل ما بنجي الا بعد سنتين، ودخلوا أولادهم في مدارس انجليزية ومدارس أمريكية ومدارس، أتخيل، تركية.. سايبنكم انتو تتعذبوا هنا في السودان، ويقول ليك مستقبل أولادنا.. نحنا كلنا قرينا في مدارس زيكم، وقرينا جامعة الخرطوم، وتعذبنا زيكم، ودخلنا في مشاكل ومظاهرات، لكن في النهاية اتخرّجنا وشهادتنا دي بنعتزّ بيها في أي بلد نمشي ليها في العالم)
فإذا كان د. ياسر يعلم ما يجري في البلد من عذاب، دفع كثير من طلابه، وزملائه الأساتذة، لترك كل شيء، والفرار من الموت، أفما كان الأولى أن يخاطب الحكومة، ويدعوها الى وقف الحرب، وتحقيق السلام، واعمار الخراب، حتى يعود طلابه، و يمتحنوا، بدلاً من تهديدهم، بأنه سوف يرسبهم، ويشوه شهادتهم، حتى لا يستطيعون الاستفادة من السنين التي درسوها؟! ويكرر د. ياسر أنه سيعطيهم F وأنها ستبقى معهم حتى يموتوا.. فهل يعلم أنه إذا أعطاهم A فإنها لا قيمة لها، لأن شهادة الجامعة بعد تدهورها على يد حكومة البشير أصبحت غير مقبولة في أي مكان!! ثم لماذا يصف طلابه الذين لن يتمكنوا من الحضور، في هذه الظروف، وما زالت الحرب مشتعلة، بأنهم “قحاطة”؟ وهل هذا اسم مجموعة سياسية، أو انه شتيمة، يقولها الإخوان المسلمون، عن قوى الحرية والتغيير؟! وإذا كان امتحان جراحة في كلية الطب، يمكن أن تنجح فيه المرأة العظيمة، المناضلة، رشيدة ست الشاي، فهل هذا عمل تعليمي، أم هو عمل سياسي، مقصود منه فقط مجيء الطلاب، لا المحتوى العلمي؟! وقد يقول قائل، إن عبارة د. ياسر، قصد بها المبالغة. والمبالغة نوع من الكذب، يعف منه الرجل العالم ذو الخلق، ولكنها في هذا المقام، أسوأ، لأن الغرض منها، دعاية كاذبة، لخدمة غرض الحكومة، في التمهيد لعودة الإخوان المسلمين، الى حكم فقدوه بثورة شعبية. وكيف يسأل الطالب داخل قاعة الامتحان، إذا عجز عن الإجابة، ويقوم الممتحن بمساعدته؟! كما ذكر د. ياسر ليحفز الطلاب للعودة والامتحان. إن مكان السؤال قاعة الدرس، وليس قاعة الامتحان، يا دكتور. أما قول د. ياسر (بنجند كل الناس البكون قلبهم على البلد دي) فهو رأي سياسي، يرى بعض السودانيين، حريصين على البلد، وبعضهم غير وطنيين. وهو تصنيف درج عليه الإخوان المسلمون في الادعاء على خصومهم. لقد ظهرت في الوسائط، صورة لدكتور ياسر – رفعها بعض زملائه – عندما كان طالب في كلية الطب، وهو يلبس الزي العسكري، مجنداً في حرب الجنوب، مع كتائب الإخوان المسلمين، التي كان أفرادها يزعمون انهم مجاهدين. ومعلوم أن الذين كانوا يعتبروا مجاهدين، إبان حكومة الإخوان المسلمين، كانوا ينقلونهم دون امتحانات، وأحياناً يمتحنونهم امتحانات صورية، مثل هذا الذي يمكن ان تنجح فيه المرأة الكريمة رشيدة ست الشاي، التي ربما لا تكون قد تعلمت أي تعليم!!
وحين يهاجم د. ياسر زملاءه، الذين حين اضطروا الى ترك وطنهم، بسبب الحرب، التي اشعلها تنظيم الإخوان المسلمين، اشتغلوا بالخارج، وادخلوا أولادهم مدارس اجنبية، لماذا لا يهاجم قادة الحكومة، وقادة تنظيمه، الذين هم الآن في تركيا، يعيشون في مع أولادهم، في الخارج، ولم يرجعوا؟ لماذا لا يطالب البرهان، وياسر العطا، وكباشي، بإرجاع أولادهم، ليدرسوا في جامعة الخرطوم، بدلاً من أن يتعلموا في الخارج، ويعيشوا هناك، في حين أن آباءهم هنا يدعون المواطنين للعودة، ثم هم يحرضون أبناء هؤلاء المواطنين، ويتحايلون عليهم بالتعليم ليعودوا فيستنفرونهم وقوداً في الحرب؟! و د. ياسر إنما يستغل موقعه الأكاديمي ليشارك به في هذه المكيدة السياسية الحقيرة.. يا له من تحيز أعمى لا يبقي ديناً ولا يذر!!

17 سبتمبر 2026م

Comments (0)
Add Comment