حين يرتهن جيشُ بلدٍ لإملاءات تنظيمٍ إرهابي بلا أجندة وطنية وبلا ضابطٍ أخلاقي، وتتحول بندقيته من حماية سيادة البلاد وحدودها إلى قنص صدور شعبه، يصبح تنظيماً مافيوياً لا جيشاً، وتصبح المجازر نتيجة حتمية لمقدماتٍ فاسدة.
إن ما شهده مستشفى الضعين بولاية شرق دارفور في أول أيام العيد إنما هو تجسيدٌ حيٌّ لنهج “الإبادة الجماعية” الذي بات السمة البارزة لجيشٍ ارتضى أن يكون مطيةً للحركة الإسلامية السودانية (الإخوان) وكتائبها المسلحة التي لا ترقب في المواطن ولا في الوطن إلاً ولا ذمة.
أربعةٌ وستون قتيلاً، بينهم ثلاثة عشر طفلاً وخمس عشرة امرأة، سُحقت عظامهم وأُحرِقوا بمسيّرات وقذائف وصواريخ استُجلبت من دولٍ مثل إيران وغيرها من الدول المعادية للشعب السوداني وحقه في الحرية والاستقرار والتقدم.
إن قصف منشأةٍ طبية مأهولة بالأطفال والنساء والمرضى والنازحين والكوادر الصحية هو برهانٌ ساطعٌ على أن هذا الجيش قد فقد بوصلته الأخلاقية والمهنية تماماً. فبدلاً من مواجهة الخصوم في الميادين، اختار أتباع نظام البشير استهداف غرف العمليات وعنابر الأطفال، في جريمة حرب مكتملة الأركان هزّت ضمير المنظمات الدولية، من منظمة الصحة العالمية إلى الصليب الأحمر.
إن المشهد الحالي في مدينة الضعين نسخة محدثة من جرائم الإبادة في دارفور التي جعلت عمر البشير طريداً للعدالة الدولية. ذات الوجوه وذات المرجعية “الإخوانية” الإجرامية تمارس اليوم سياسة الأرض المحروقة.
لقد تحول الجيش السوداني من مؤسسة وطنية إلى أداة قمع بيد تنظيم “الكيزان” الذي يسعى للعودة إلى السلطة فوق جثث السودانيين. إنهم يقتلون الأطفال والنساء ليعيش التنظيم، ويدمرون المستشفيات ليركعوا الشعب، مستعينين بخبرات إرهابية عابرة للحدود تهدف إلى إرهاب السودانيين وزعزعة استقرار المنطقة بأكملها.
لقد تحول مستشفى الضعين، بشهادة مدير منظمة الصحة العالمية “تيدروس أدهانوم”، إلى ساحة إعدام جماعي. وإن خروج المستشفى عن الخدمة بالكامل يعني حكماً بالإعدام المؤجل على آلاف المرضى والجرحى، وهو ما يكشف عن استراتيجية الأرض المحروقة التي ينتهجها قادة الجيش للضغط على “الحواضن الاجتماعية”، في مقامرة خاسرة بمستقبل البلاد.
هذه ليست حرباً ضد “تمرد” كما يزعمون، بل هي حرب ضد الحياة في السودان. إنها محاولة بائسة لاجتثاث كل ما يمت للمدنية بصلة، تنفيذاً لأجندة الحركة الإسلامية التي ترى في كل مواطنٍ حرٍّ عدواً مفترضاً.
إن الإدانات الدولية والمطالبات بفتح تحقيقٍ مستقل يجب ألا تقف عند حدود الاستنكار اللفظي. إن دماء أطفال الضعين ونسائها تستصرخ المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة الجناة الجدد الذين ساروا على خطى البشير. ولا يمكن القبول بجيشٍ يوجه سلاحه إلى الداخل، ولا بتنظيمٍ يدير الدولة من خلف الستار عبر “كتائب الظل” والمجموعات المسلحة.
إن الفجر الذي ينشده السودانيون لن يشرق إلا بتفكيك هذه المنظومة الدموية، وتحرير الجيش من قبضة التنظيم الذي أفسد عقيدته وجعله خنجراً في خاصرة الوطن.
ستبقى دماء شهداء الضعين لعنة تلاحق القتلة، وستظل صرخة الأمهات تحت الأنقاض هي المحرك لثورةٍ لا تهدأ حتى تُسحق رؤوس الأفاعي ويستعيد الشعب سيادته وحريته المنهوبة.