حين يتحول الصمت الي موقف، ويُقدَّم الحياد كغطاء للعنف، حينها تصبح الكتابة واجباً لا خياراً.
لقد ارتبط صوت أزيز تلك الطائرات المسيرة تركية الصنع من طراز “بيرقدار” ومشتقاتها المتعددة، بصوت الموت لولاءك السكان الأمنيين، الذين هم في حقيقة الامر ليس لديهم ادني علاقة بما يدور في العوالم السياسية المغلقة، اذ ينظرون إلى انفسهم كمواطنين سودانيين وِجِدَّوا في احدى بقاع السودان “المشتتة” ليس لذنب اقترفوهوا ! بل ذنبهم الوحيد انهم ينتمون الي موطنهم الأصل ! الذي تحول بفعل سردية حرب 15 ابريل الي جريمة شنيعة تستدعي هدر الدم.
الاستغراب هنا لا يأتي بالإدانة المنتظرة من قبل القوى التي نصّبت نفسها زوراً باسم المجتمع المدني السوداني، اذ ظلت تتعامل بانحياز واضح وفاضح للجيش ومليشياته الارهابية، وذلك بغّض الطرف عن انتهاكاته وجرائمه الوحشية الممنهجة التي ارتقت الي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ولأن مفهوم المجتمع المدني في الأساس ليس مفهوم يرتبط بالعمل الإنساني وتلبية الاحتياجات الإنسانية فقط، إنما هو مفهوم سياسي ناعم يعمل علي صنع القيم الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان، التي تتعارض مع توجهات الأنظمة الدينية العقائدية لا سيما الديكتاتورية.
إلا إننا أمام أمام حالة خاصة لا يوجد لها مثيل إلا في السودان، وذلك عندما تتماهي تلك القوي التي يفترض بها ان تكون صوت للمجتمع المدني مع الأنظمة الشمولية والإرهابية، التي تحارب القيم الإنسانية مجتمعة!! الإجابة هُنا واضحة هذه المنظمات والتجمعات الفئوية التي سطت علي صوت المجتمع المدني في السودان هي جزء من أسلحة الدولة العميقة النائمة والتي استيقظت لتوها لتظهر بوجهها القبيح الذي يشرعن العنف الممنهج. تحت فرية الدولة والمؤسسات والسيولة الأمنية !! وغيرها من المصطلحات الفضفاضة المستهلكة.
الحقيقة التي تحاول تلك المؤسسات دفنها باستمرار هي، ان دولة ما بعد الاستعمار في السودان قد بنت نفسها علي عدم المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات. واكتفت ببعض الإصلاحات الشكلية كمثل الترميز التضليلي والتمثيل الشكلي في بعض مؤسسات الحكومة الهامشية. حتي ان هناك بعض الوزارات الباهتة بفعل سياسات الدولة، قد أصبحت مخصصة لبعض الفئات السكانية والجغرافية في السودان. هذا التفاوت الهيكلي هو الذي قاد الي عدم استقرار السودان منذ ميلاد استقلاله السياسي.
ان دولة عدم المساواة في السودان ليست وليدة اللحظة انما قديمة قُدم الدولة الوطنية نفسها، كما ان الالتزام الأخلاقي يحتم علي الجميع (مؤسسات كانوا او افراد). مقاومتها بكافة الوسائل المتاحة بما فيها عمل منظمات المجتمع المدني. ولنا ان لا نحتار بأن موقف هذه المنظمات وتماهيها مع عدم المساواة “الدولوية”. يقود الي تفسير واضح بان هذه المنظمات والشخصيات التي تتلبس جلباب الوطنية هي في الأساس، الصورة الأكثر وضوح لدولة غياب العدالة والمواطنة المتساوية. او بأمكاننا هنا ان نستخدم المصلح الأكثر شعبية (أصحاب الامتيازات التاريخية).
وبما ان دور منظمات المجتمع المدني يتمحور حول، ترسيخ قيم ومبادئ حقوق الانسان، ومحاربة التسلط وعدم المساواة، وذلك الذي لم نراه يتجسد في تلك المنظمات التي تدعي جوراً انها منظمات إنسانية تلتزم مبداء الحياد.
حاولت هذه المنظمات بجهد كبير خلق اسوار صوتية مغلقة تدّعي باطلاق، حصرية التمثيل والتواصل مع المؤسسات الدولية ذات الصلة، لتذويدها بالمعلومات المضللة والمغلوطة، وقد ثبت ذلك جلياً في عدة تقارير تلفقية قدمتها تلك المنطمات المشبوهة، كما عملت بجهد اكبر لوضع جميع المتاريس والموانع للاصوات الأخرى من السماع، لتفنيد سرديتهم المبنية علي الأكاذيب التضليلية.
لقد استمرت القوات المسلحة ومليشاتها المصنفة دولياً كمنظمات إرهابية، تنفذ هجماتها الوحشية ضد المدنيين والمنشئات المدنية منذ بدء الحرب. الا ان هجماتها اشتدت وحشية في منتصف العام 2025 في أقاليم كردفان ودارفور والفونج، اذ قامت بالاستهداف الممنهج للمنشئات المدنية و تجمعات المواطنين المختلفة سوي كانت افراح او اتراح.
وهذه أمثلة ليست للحصر (قصف مستشفي المجلد يونيو2025 عدد الضحايا اكثر من 40 بما فيهم كوادر طبية، 29 نوفمبر2025 قصف طلاب مدرسة العلوم الصحية جبال النوبة كاودا/ كمو عدد الضحايا اكثر من 45 من الطلاب. 17 فبراير 2026 قصف مركز إيواء النازحيين مدينة السنوط عدد الضحايا 28 اغلبهم من النساء و الأطفال. 18 فبراير قصف محطة مياه منطقة ام رسوم بغرب كردفان راح ضحيته اكثر من 38 شخص اغلبهم من النساء و الأطفال. 10 مارس 2026 تم قصف عربة نقل تقل نساء باطفالهم كانوا في طريقهم الي تادية واجب عزاء في منطقة الفولة بغرب كردفان راح ضحيته القصف عدد 42 ضحية جميعهم من النساء و الأطفال و المسنيين. 20 مارس 2026 تم قصف مستشفي الضعين المرجعي مما خلف القصف عدد 70 قتيل غالبيتهم من الأطفال و النساء و الكوادر الطبية. 23 مارس 2026 قصف سوق مدينة لقاوة خلف اكثر 15 قتيل من المدنيين. بتاريخ اليوم 25 مارس 2026 كأخر تحديث تم استهداف قصف سوق مدينة سرف عمرة مما خلف القصف عشرات الضحايا من المدنيين الأبرياء).
نحن هنا بصدد فضح محاولات من نصبوا انفسهم جوراً وبهتانا بأسم منظمات المجتمع المدني السوداني، وذلك بتواريهم المتعمد وسد أذانهم عن الجرائم الوحشية والانتهاكات الجسيمة التي ظل يرتكبها الجيش ومليشياته الإرهابية منذ بداية الحرب. مما ادخل عمل هذه المنظمات في حالات عدم المصداقية وغياب الشفافية والتي من اهم ميزاتها: التحييز والانتقائية والتمييز. وهذا الذي وضعها في خانة عدم الحياد، مثلما اتضح ذلك جلياً من خلال موقفها المخزي وتجاهلها المتعمد لهجمات الجيش سوي كانت الجوية او البرية علي المنشئات المدنية واخرها الهجوم علي مستشفي الضعين الذي خلف 70 قتيل غالبيتهم من النساء والأطفال والكوادر الطبية. وعندما وجدت هذه الحادثة إدانة واسعة واستنكار شديد من الراي العام العالمي والمحلي. بما فيها المنظمات الدولية والهيئات الدبلماسية ورؤساء الدول. اكتفوا من يسمون انفسهم بالمجتمع المدني السودان بالسبات العميق او ما هو معروف في الدارجية السودانية ب”الطناش”.
هذه المسيرات باستهدافها الممنهج للمدنيين الأمنيين في مدنهم وقراهم خصوصا في أقاليم كردفان ودارفور والفونج. هو بمثابة العقاب الجماعي المكتمل الأركان.
السابق بوست