يشكل سقوط مدينة الكرمك في إقليم النيل الأزرق تطوراً نوعياً في مسرح العمليات الجنوبي الشرقي من البلاد، إذ انتقل القتال من نمط الاشتباكات المحدودة إلى عمليات “مركبة” تقودها قوات تحالف غير تقليدي يجمع بين قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو.
التحالف أوجد بيئة “عملياتية” مختلفة تقوم على الدمج بين حرب المناورة السريعة والتغلغل الحدودي، إضافة إلى الاستفادة من العمق الإقليمي، ما أدى إلى خلخلة التوازن العسكري للجيش في منطقة ظلت تاريخياً ذات حساسية استراتيجية عالية، ودراسة هذا السقوط لا تأتي من كونه حدثاً تكتيكياً مهماً، بل تمتد إلى تحليل بنية الصراع، والتحولات في أنماط القتال، وتأثير ذلك على مستقبل العمليات في كامل الإقليم.
وشهد إقليم النيل الأزرق منذ اندلاع الحرب حالة من الهدوء العملياتي النسبي مقارنة بمسارح أخرى، غير أن هذا الهدوء كان في جوهره إعادة تموضع واستعداد. إذ حافظت الحركة الشعبية – شمال على وجودها في مناطق جبلية استراتيجية داخل محلية الكرمك، بينما عملت قوات الدعم السريع على التمدد التدريجي عبر عمليات تسلل وهجمات محدودة لاختبار دفاعات الجيش.
ومع تطور الصراع، برز تحول مفصلي تمثل في تنسيق عملياتي متقدم بين الطرفين، إذ بدأت قوات الدعم السريع والحركة الشعبية تنفيذ هجمات متعددة المحاور، مستفيدة من المعرفة الجغرافية الدقيقة للحركة الشعبية، ومن المرونة التكتيكية العالية لقوات الدعم السريع.
وأدى ذلك إلى انتقال العمليات من الطابع الدفاعي المتقطع إلى نمط هجومي مستمر يعتمد على الاستنزاف التدريجي، والضغط المتواصل على نقاط الارتكاز العسكرية التابعة للجيش السوداني، فيما لعب العامل الحدودي دوراً حاسماً في هذا التحول، إذ أتاح القرب من الحدود الإثيوبية ممرات حركة وإمداد مرنة، ما منح القوات المهاجمة عمقاً عملياتياً فعالاً، وحدّ من قدرة الجيش على فرض سيطرة محكمة على مسرح العمليات.
وتتمتع مدينة الكرمك بخصائص استراتيجية وعسكرية، حيث تقع المدينة على الحدود المباشرة مع إثيوبيا، وتُعد بوابة جنوب شرق السودان، كما تمثل عقدة ربط جغرافية ذات أهمية عملياتية بين الداخل السوداني والمحيط الإقليمي، وتبلغ المساحة التقديرية لمحلية الكرمك نحو 6 آلاف إلى 7 آلاف ونصف كيلومتر مربع، وهي مساحة واسعة مقارنة بحجم القوات المنتشرة فيها، ما يفرض تحديات كبيرة في تأمينها عسكرياً بالنسبة للجيش.
وتبعد الكرمك أيضاً عن الدمازين مسافة تُقدّر بحوالي 110 إلى 130 كيلومتراً، وهي مسافة قصيرة نسبياً في الحسابات العسكرية “نحو 4 ساعات بمركبات عسكرية تقليدية”، ما يجعلها خط الدفاع المتقدم عن مركز الثقل الإداري والعسكري في الإقليم. وعليه، فإن فقدانها يعني عملياً تقليص العمق الدفاعي وفتح محور تهديد مباشر نحو الدمازين.
وتتميز المنطقة بطبيعة جغرافية معقدة تشمل جبالاً وغابات وأودية، وهي بيئة مثالية لحرب العصابات والعمليات غير النظامية، ما يمنح أفضلية للقوات التي تعتمد على الحركة والمرونة، كما تضم المنطقة تركيبة قبلية متنوعة، وهي عوامل تؤثر على البيئة العملياتية من حيث الدعم المحلي أو الحياد.
عسكرياً، اعتمدت المدينة على حامية من الجيش السوداني (اللواء 16 مشاه – التابع للفرقة 4 الدمازين) بقيادة العميد ركن محمد منصور محمد مدني، مدعومة بعناصر احتياط محلي، ويُقدّر حجم القوة المدافعة بنحو 700 إلى 1200 عنصر في أفضل التقديرات، موزعين على نقاط دفاعية ثابتة حول المدينة “جرط شرق – غرب، خور البودي، بلامون” ومداخلها، غير أن هذا الحجم ظل غير كافٍ لتأمين مساحة واسعة بهذا الشكل، خاصة في ظل غياب احتياط تعبوي قادر على التدخل السريع أو تنفيذ هجمات مضادة فعالة.
وجاء سقوط الكرمك نتيجة تفاعل معقد بين عدة عوامل عملياتية على النحو التالي: العامل الأول: أول هذه العوامل يتمثل في اعتماد القوات المهاجمة على تكتيك الهجوم متعدد المحاور، ما أدى إلى تشتيت قوة الجيش المدافعة وإجبارها على القتال في عدة اتجاهات في آن واحد، وهو ما أضعف تماسك الدفاعات تدريجياً.
والعامل الثاني هو التكامل العملياتي بين قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال، حيث وفّر هذا التحالف مزيجاً فعالاً من القدرات القتالية؛ إذ تولت الحركة الشعبية إدارة القتال في المناطق الوعرة اعتماداً على خبرتها الطويلة، بينما نفذت قوات الدعم السريع عمليات الالتفاف والمناورة السريعة، ما أدى إلى اختراقات متكررة في خطوط الدفاع، فيما يرتبط العامل الثالث بالجغرافيا والحدود، إذ استفادت القوات المهاجمة من العمق الحدودي في إعادة التموضع والإمداد، الأمر الذي صعّب على الجيش تنفيذ عمليات عزل ميداني فعالة أو قطع خطوط الإمداد.
وبالنسبة لللعامل الرابع فهو محدودية حجم القوات المدافعة مقارنة باتساع رقعة المسؤولية، إذ لم تتجاوز القوة المتوفرة في “اللواء 16 مشاه” سقف 1200 فرد منفتحين في 3 مواقع دفاعية، وهو رقم غير كافٍ لتأمين محيط عملياتي مفتوح، ما أدى إلى اعتماد نمط دفاع ثابت أثبت ضعفه أمام قوات تعتمد على الحركة والمرونة، كما ساهم الاستنزاف المستمر، والضغط النفسي، ونزوح المدنيين في إضعاف البيئة الحاضنة للقوات المدافعة للجيش، ما قلل من قدرتها على الصمود لفترات طويلة.
وبناءً على طبيعة الأرض وانتشار القوات، تم الهجوم على مدينة الكرمك عبر ثلاثة محاور رئيسية متزامنة بهدف تشتيت لواء المشاة المدافع وإفقاده القدرة على المناورة والاحتفاظ بالاحتياط، وهذه المحاور هي: المحور الأول: وكان محوراً شرقياً قادماً من اتجاه الحدود الإثيوبية، مستفيداً من العمق الحدودي لتأمين الإمداد والدفع بقوة الصدمة الرئيسية، وهو محور الضغط الأساسي.
والمحور الثاني: وكان محوراً جنوبياً – جنوب شرقي يعتمد على الالتفاف عبر المناطق الوعرة، بهدف اختراق الدفاعات الثانوية والوصول إلى مؤخرة القوات المدافعة، ما يؤدي إلى عزلها عملياتياً، والمحور الثالث: جاء هذا المحور من الاتجاه الغربي أو الشمال الغربي على شكل هجوم تثبيت (Fixing Attack)، هدفه شل حركة الكتيبة المدافعة في هذا الاتجاه ومنعها من إعادة الانتشار لدعم المحاور الأخرى.
أما قوات الجيش فكانت تدافع بلواء مشاة لتأمين المدينة، وكان الانفتاح الدفاعي عبر ثلاث كتائب مشاة: الأولى: كتيبة في الاتجاه الشرقي كخط دفاع أول أمام أخطر تهديد حدودي، والثانية: كتيبة في الاتجاه الجنوبي – الجنوب الشرقي لتأمين مناطق الاختراق المحتملة عبر التضاريس المعقدة، والثالثة: كتيبة في الاتجاه الغربي – الشمال الغربي لحماية محور الدمازين وخطوط الإمداد، وهذا الانفتاح للجيش، رغم منطقيته، يخلق فراغات بينية (Gaps) نتيجة اتساع المساحة، وهو ما يُرجح أن القوات المهاجمة استغلته لتنفيذ اختراقات متزامنة أدت في النهاية إلى انهيار الترابط الدفاعي وسقوط المدينة.
وفي ضوء سقوط مدينة الكرمك، يمكن رسم عدد من السيناريوهات العملياتية المحتملة لكلا الطرفين، استناداً إلى معطيات الأرض، وتوازن القوى، وطبيعة التحالفات القائمة، السيناريو الأول: التقدم الهجومي نحو الدمازين (Most Likely COA – القوات المهاجمة، ويرجح أن تسعى قوات الدعم السريع بالتنسيق مع الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال إلى استثمار الزخم العملياتي الناتج عن سقوط الكرمك، عبر دفع قواتها تدريجياً باتجاه الدمازين.
هذا التقدم لن يكون على شكل هجوم مباشر واسع النطاق في المرحلة الأولى، بل على هيئة عمليات ضغط متدرج تشمل قطع خطوط الإمداد، واستهداف النقاط المتقدمة، وتنفيذ هجمات إزعاج (Harassment Attacksبهدف إنهاك دفاعات الجيش السوداني قبل أي محاولة اقتحام رئيسي، ونجاح هذا السيناريو يعتمد على قدرة القوات المهاجمة على الحفاظ على خطوط إمدادها الحدودية، ومنع الجيش من إعادة تنظيم دفاعاته في عمق الإقليم.
السيناريو الثاني: تثبيت السيطرة وبناء دفاعات (Most Dangerous COA – تثبيت طويل الأمد، وقد تتجه القوات المسيطرة إلى خيار أكثر حذراً يتمثل في تثبيت مواقعها داخل الكرمك وتحويلها إلى قاعدة عمليات متقدمة، مع إنشاء تحصينات دفاعية وتأمين خطوط الإمداد، تمهيداً لعمليات مستقبلية، وهذا السيناريو يمنحها ميزة استراتيجية طويلة الأمد، إذ تتحول الكرمك إلى نقطة ارتكاز لشن عمليات في عدة اتجاهات، وليس فقط نحو الدمازين، وخطورة هذا السيناريو تكمن في أنه يمنح التحالف وقتاً لإعادة تنظيم قواته، واستقدام تعزيزات، وتوسيع نطاق السيطرة دون المخاطرة بهجوم سريع يكون مكلفاً.
السيناريو الثالث: هجوم مضاد لاستعادة الكرمك (COA – من جانب القوات المسلحة السودانية، يظل خيار تنفيذ هجوم مضاد لاستعادة الكرمك قائماً، خاصة إذا تم حشد قوات كافية من محاور أخرى، بيد أن نجاح هذا السيناريو يتطلب تحقيق عدة شروط، أبرزها تأمين خطوط الإمداد، وتوفير غطاء جوي فعال، وتنفيذ عمليات عزل ميداني للقوات المهاجمة لمنع وصول تعزيزات عبر الحدود، وفي ظل المعطيات الحالية، يبدو هذا الخيار صعب التنفيذ على المدى القصير، لكنه يظل ممكناً إذا حدثت إعادة تنظيم شاملة للقوات المسلحة.
السيناريو الرابع: احتواء التهديد والدفاع عن الدمازين (Defensive COA – الجيش، وهوالسيناريو الأكثر واقعية على المدى القريب يتمثل في تركيز الجيش على الدفاع عن الدمازين باعتبارها مركز الثقل في الإقليم، مع إنشاء خطوط دفاع متعمقة (Defense in Depth)، وزيادة الكثافة القتالية، وتعزيز نقاط المراقبة والاستطلاع، وهذا السيناريو يقوم على امتصاص الهجوم وإطالة أمد المعركة، بهدف استنزاف القوات المهاجمة وإجبارها على التوقف أو التراجع.
السيناريو الخامس: توسع أفقي للعمليات (Expansion COA – التحالف المهاجم، وربما تسعى القوات المهاجمة إلى توسيع نطاق العمليات أفقياً بدلاً من التقدم المباشر، عبر فتح جبهات فرعية في مناطق أخرى من النيل الأزرق، أو حتى تهديد محاور تربط الإقليم بمناطق أخرى، بهدف تشتيت جهود الجيش وإجباره على توزيع قواته على نطاق أوسع، ما يقلل من قدرته على تركيز القوة في نقطة حاسمة.
وبناءً على المعطيات الحالية، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو مزيج بين التقدم التدريجي نحو الدمازين وتثبيت السيطرة في الكرمك، حيث تسعى القوات المهاجمة إلى تحقيق توازن بين استغلال الزخم العملياتي وتجنب المخاطر العالية لهجوم سريع واسع النطاق، في المقابل، من المرجح أن يعتمد الجيش على استراتيجية دفاعية مرنة تركز على حماية المراكز الحيوية وإعادة بناء القدرة القتالية قبل التفكير في استعادة زمام المبادرة.
وبالنسبة لمنطقة “سالي” فإنها تقع ضمن نطاق الكرمك جنوب إقليم النيل الأزرق بالقرب من الحدود مع إثيوبيا، وتُعد جزءاً من الامتداد الجغرافي والإداري لمحلية الكرمك، حيث تبعد عشرات الكيلومترات فقط عنها، بينما تُقدّر المسافة بينها وبين الدمازين بنحو 170 كيلومتراً، وتتميز المنطقة بطبيعة جغرافية جبلية وغابية، ما يمنحها أهمية أمنية واقتصادية خاصة، كما تحتضن تجمعات سكانية محلية من بينها مجموعات قبلية مثل “السركم”.
وبرزت منطقة “سالي” مؤخراً كإحدى المناطق الواعدة في مجال التعدين الأهلي عن الذهب، حيث أظهرت المؤشرات الجيولوجية وجود رواسب ذهبية سطحية (رسوبية) إلى جانب تركزات داخل عروق “الكوارتز” الحجرية، وهو ما جذب أعداداً كبيرة من المعدنين التقليديين الذين يُقدّر عددهم بالآلاف، مع إنتاج يومي ملحوظ من خام الذهب، وبناءً على هذه المعطيات، تُصنّف المنطقة كأحد المواقع ذات الإمكانات العالية للتطوير مستقبلاً ضمن أنشطة التعدين المنظم أو الاستثماري في الإقليم.
وينشط حالياً في المنطقة نحو 3 آلاف معدن تقليدي يعملون في المنطقة، بمعدل إنتاج يومي يُقدر بنحو 500 جوال حجر يومياً، وبمعدل إنتاج ذهب يبلغ متوسطه بين 2 – 3 جرامات ذهب لكل جوال، والمهم في هذا الجانب هو ارتباط أفراد الجيش السوداني بهذا النشاط، حيث تشير المعلومات وتقارير أمنية إلى أن انخراط عدد من أفراد اللواء 16 مشاة في أنشطة التعدين الأهلي داخل منطقة “سالي” أسهم في تراجع مستوى التركيز على الجوانب العملياتية والدفاعية، الأمر الذي انعكس سلباً على الجاهزية العسكرية والانضباط الميداني في محيط الكرمك، خاصة في ظل الأهمية الاستراتيجية للمنطقة باعتبارها نطاقاً حدودياً حساساً.
سقوط الكرمك لم يكن حدثاً مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة تراكمات عملياتية بدأت منذ التحالف بين القوى المهاجمة وتكثيف نشاطها في النيل الأزرق، وأظهر هذا الحدث بوضوح أن ميزان القوة في الحروب الحديثة لا يعتمد فقط على حجم القوات، بل على القدرة على المناورة، والتكامل بين القوى، واستغلال الجغرافيا، وإدارة الصراع على المستوى العملياتي الشامل، وإذا لم يتمكن الجيش السوداني من إعادة تنظيم دفاعاته في النيل الأزرق وقطع خطوط الإمداد العابرة للحدود، فإن هذا المحور مرشح للتحول إلى نقطة ضغط استراتيجية مستدامة تؤثر بشكل مباشر على مجمل مسار الحرب في السودان.