Fajr Press

الموارد المعدنية .. ثروات في مهب الريح (1 – 2)

تحقيق - عبدالرحمن العاجب

في ظل النزاع المستمر في السودان، يظل قطاع التعدين، وخاصة الذهب، أحد المصادر الرئيسة لتمويل الحرب والصراعات، ومع تزايد الفوضى الأمنية والسياسية، أصبحت الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة مركزاً رئيسياً للتلاعب والفساد، وفي غضون الحرب المدمرة التي تشهدها البلاد حالياً برز قطاع التعدين بوصفه أحد أهم مصادر الدخل القومي، وربما آخرها بعد تعطل معظم موارد الدخل القومي، وعلى رأس هذا القطاع تقف الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، باعتبارها الجهة المسؤولة عن تنظيم واستغلال ثروات البلاد المعدنية، وفي مقدمتها الذهب.

يغطي هذا التحقيق الفترة من 15 أبريل 2023 إلى 15 أبريل 2026، وينطلق من فرضية مفادها أن الفساد بأشكاله المالية والإدارية والتعاقدية والميدانية والرقابية تغلغل داخل بنية الشركة، وأسهم في استنزاف موارد الدولة، ويحلل التحقيق بحسب البيانات الرسمية أرقام إنتاج وصادرات الذهب، ويكشف المقارنة بين الإنتاج المعلن والعائدات الفعلية، وكشوفات الإيرادات، ويكشف التحقيق عن ممارسات الفساد، بما في ذلك تهريب الذهب واستخدامه في تمويل الجماعات المسلحة، ويبدو أن هذه الأنشطة ظلت تساهم بشكل مباشر في استمرار العنف وتقويض استقرار الاقتصاد الوطني، ومن خلال هذا التحقيق، نسعى لتسليط الضوء على الأبعاد المظلمة لهذا القطاع، وكشف الآليات التي تسهم في تغذية حرب شاملة تؤثر على حياة الملايين من السودانيين.

مجالات عمل الشركة المعدنية:

تعمل الشركة السودانية للموارد المعدنية في مجال الرقابة المالية والفنية وتنظيم قطاع التعدين الحديث والتقليدي وتحصيل الأنصبة الخاصة بالحكومة.

تعمل الشركة السودانية للموارد المعدنية في مجال الرقابة المالية والفنية والإدارية والبيئية والمسؤولية المجتمعية في قطاعي التعدين الحديث والتقليدي، إضافة إلى تحصيل الأنصبة الخاصة بالحكومة، ولكن ظلت على الدوام تلاحقها اتهامات بتبديد الأموال الخاصة بالمسؤولية المجتمعية وعدم توظيفها بالشكل الصحيح، فيما تلاحق الشركات العاملة في إنتاج الذهب اتهامات من المواطنين بعدم التزامها ببند المسؤولية المجتمعية إضافة لاستخدام مواد سامة مثل (الزئبق) و ( السيانيد) في عمليات استخراج الذهب وهي مواد شديدة الخطورة على صحة وحياة المواطنين بمناطق التعدين، وتشير متابعات فريق التحقيق إلى وجود فروع للشركة السودانية للموارد المعدنية بعدد من الولايات منها “جنوب وشمال دارفور، ونهر النيل والشمالية، والبحر الأحمر وكسلا، وجنوب وشمال كردفان وولاية النيل الأزرق” فضلاً عن وجود مناديب للشركة بشركات القطاع الحكومي والخاص التي تعمل في مجال التعدين.

مهام وإختصاصات الشركة:

تتمثل مهام وإختصاصات الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة في الأتي: “تنظيم قطاع التعدين بما في ذلك التنقيب والاستخراج والمعالجة للمعادن، وإصدار تراخيص التعدين للشركات المحلية والوطنية والأجنبية التي تعمل في المجال، وتساهم في عمليات الاستكشاف وتنمية مشاريع التعدين في البلاد، وإدارة المخزون المعدني وتقوم الشركة بالإشراف على قطاع تعدين الذهب في البلاد، وتشير بعض التقارير إلى أن هناك شبهات فساد في توزيع تراخيص التعدين، وأحيانًا يُقال إن بعض الأشخاص المقربين من السلطة أو موظفين في الحكومة يحصلون على تراخيص غير مستحقة لمشاريع تعدين، وهذه التراخيص تُمنح أحيانًا بطرق مشبوهة مما يعزز القلق حول التلاعب والمحاباة في القطاع، ومن أبرز القضايا التي ترتبط بقطاع التعدين في السودان هو تهريب الذهب، ويؤكد الواقع أن هناك شبكات تهريب منظمة تبيع الذهب إلى خارج البلاد بعيدًا عن القنوات الرسمية التي تمر عبر الشركة السودانية للموارد المعدنية.

 

ديوان المراجع القومي على الخط:

وفي سياق متصل أفاد مصدر واسع الإطلاع أن الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة تسلمت في ديسمبر 2025 خطاباً رسمياً من ديوان المراجع القومي يوجّهها بالشروع في فتح بلاغات ضد متهمين بتبديد 970 مليار جنيه سوداني خُصصت أصلاً لمعالجة قضايا التعدين التقليدي بولاية نهر النيل، لكنها صُرفت في بورتسودان خارج نطاق التفويض الممنوح لها، وقال مصدر واسع الإطلاع من داخل الشركة أن أصل القضية يعود إلى فترة التوترات الأمنية والإدارية التي رافقت انتقال مؤسسات الدولة إلى مدينة بورتسودان، حيث تم إعتماد مبالغ كبيرة لحلحلة مشكلات التعدين التقليدي، ومعالجة الضغوط الاجتماعية والبيئية المرتبطة به، غير أن مراجعات لاحقة كشفت عن صرف مبالغ ضخمة في أوجه لا علاقة لها بالهدف المحدد، ما دفع ديوان المراجع القومي لفتح تحقيق موسع انطلقت أولى إجراءاته قبل عدة أشهر، وأفاد خطاب ديوان المراجع القومي ان التحقيقات شملت صرف مبالغ خارج التفويض الممنوح، وأمهل الديوان الشركة 21 يوماً لاتخاذ إجراءات قانونية.

وخلال مراحل التحقيق، برزت أسماء قيادية في الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة كشريكة في التوقيع أو الصرف أو تمرير القرارات، من بينها “دفع الله إبراهيم” مدير مكتب المدير العام للشركة، الذي دخل في مراسلات مع ديوان المراجع محاولاً تقديم توضيحات وتبريرات بشأن طبيعة الصرف، مع طلبات بتخفيض المبلغ أو قبول معالجات بأثر رجعي. لكن الديوان أكّد في خطابه الأخير أنّه لم يعد مخولاً بالنظر في أي تسويات، وأن القضية انتقلت بالكامل إلى المسار العدلي، ومؤخراً شدد الخطاب الجديد الذي تسلمته الشركة على ضرورة اتخاذ الإجراءات القانونية خلال 21 يوماً، وأشار بوضوح إلى أنه في حال تقاعس الشركة ستباشر نيابة الأموال العامة ومكافحة الفساد إجراءات القبض على المتهمين دون الرجوع إليها.

نورالدائم طه وزير المعادن
                    نورالدائم طه وزير المعادن

وتفيد متابعات فريق التحقيق بأن  وزير المعادن نورالدائم طه قام بتشكيل لجنة للتحقيق مع “دفع الله” مدير المكتب التنفيذي للمدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية، وجاء ذلك بعد أن خاطب ديوان المراجع العام وزير المعادن بسبب فساد صرف عهد مالية تفوق”970″ مليار من مكتب ولاية نهر النيل وتحويلها إلي رئاسة الشركة في بورتسودان وصرفها بدون فواتير ومستندات مالية، وبعد أن شكل وزير المعادن لجنة للتحقيق مع الموظف المتهم ، قام مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية “محمد طاهر” برفض اللجنة وقال أنها تجاوز لسلطاته، فيما مارس  ديوان المراجع العام ضغوط علي  وزير المعادن نورالدائم طه وشدد على ضرورة معرفة مصير الاموال.

تهديد مبادئ الشفافية والحوكمة:

وبتاريخ 6/12‏/2025م أعلن ديوان المراجع القومي وجود فساد “مخالفات مالية وإدارية خطيرة” داخل الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، وكشف التقرير الصادر عن ديوان المراجعة القومي بالسودان عن وجود مخالفات مالية وإدارية كبيرة داخل الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، وذلك خلال مراجعة حسابات الشركة لعام 2024. وبحسب التقرير، فقد تم صرف مبلغ ضخم يقدر بنحو 440 مليار جنيه سوداني دون وجود أية مستندات أو مشروعات معتمدة تبرر هذا الصرف، وهو ما اعتبره الديوان مخالفة صريحة للضوابط المالية والإدارية المعمول بها، وسلط التقرير الضوء على خطورة هذه التجاوزات التي تهدد مبادئ الشفافية والحوكمة في واحدة من أهم الشركات السيادية المسؤولة عن إدارة قطاع التعدين والموارد المعدنية في السودان، مطالباً بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة هذه الاختلالات ومساءلة الجهات المعنية.

وأفاد تقرير ديوان المراجع القومي بوجود تجاوزات مالية وإدارية وصفها بأنها “فساد ممنهج” داخل الشركة، شملت صرف مبلغ (٤٤٠) مليار جنيه دون أي مستندات مؤيدة أو مشروعات معتمدة، وأوضحت بدرية عبد الحميد حسن، رئيسة فريق المراجعة، بحسب مستندات تحصل عليها فريق التحقيق أن المدير العام للشركة استغل سلطة التصديقات المالية الممنوحة له بموجب المادة 49 لتمرير مبالغ خارج الدورة المستندية الرسمية، مؤكدة أن ما تم رصده يعد “صرفاً ازدواجياً ” غير مقبول ولا يفي بالأغراض التي زُعم الصرف من أجلها، وأشار التقرير الرقابي إلى غياب تام للوثائق التي توضح أوجه صرف الأموال أو طبيعة البنود المستخدمة، خاصة خلال الفترة من مارس وحتى نهاية سبتمبر 2025. ووصف المراجعون تلك المدفوعات بأنها “غير مسؤولة” ولا صلة لها بمشروعات الشركة، مما يشكل مخالفة صريحة لقانون الإجراءات المالية والمحاسبية، وبناءً على ذلك، طالب ديوان المراجعة باتخاذ إجراءات قانونية عاجلة لاسترداد مبلغ 440 مليار جنيه لعدم مشروعية صرفها، مع التوصية بإحالة الملف كاملاً إلى الجهات العدلية المختصة.

الفريق إبراهيم جابر يحمي الفساد:

وبعد أن أصدر ديوان المراجع القومي قرارا قضى بحل اللجنة المكلفة بالتحقيق في المخالفات الإدارية والمالية للشركة عن العام (٢٠٢٤) وأعاد التحقيق في المخالفات من جديد، أفاد مصدر واسع الإطلاع من الديوان بأن الفريق إبراهيم جابر عضو مجلس السيادة تدخل مباشرة وأوقف التحقيق في مخالفات الشركة، وشدد على منع مراجعة حسابات المجلس السيادي ومجلس الوزراء، وأشار المصدر إلى أنهم لم يتمكنوا من انفاذ التقرير المقدم من فريق المراجعة بخصوص الشركة السودانية للموارد المعدنية، موضحا أن تدخل عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر يعتبر حماية للفساد، وأكد أنهم لم يتمكنوا من مراجعة حسابات مجلس السيادة ومجلس الوزراء بسبب منع فريق ديوان المراجع ومنعه بتعليمات من الفريق إبرهيم جابر.

 

شركات وهمية وتحديات جسيمة:

محمد طاهر المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة
 محمد طاهر المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة

وفي نوفمبر 2025م كشف المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة محمد طاهر عن نتائج أولية لمراجعة الشراكات القائمة مع شركات التعدين، موضحاً أن عدد الشركات المنتجة فعلياً للذهب في السودان لا يتجاوز “13” شركة من أصل أكثر من “100 ” شركة مسجلة في القطاع، وقال طاهر إن قطاع التعدين التقليدي يواجه تحديات جسيمة منذ اندلاع الحرب في السودان، حيث دخلت إليه جهات متعددة بصورة غير منظمة، ما أدى إلى إنشاء مصانع ومشروعات تعدين دون الالتزام بالضوابط القانونية والبيئية، وأضاف أن السودان يستهدف الوصول إلى إنتاج “80” طناً من الذهب بنهاية العام الحالي، وتوقع أن تصل العوائد إلى نحو “3” مليارات دولار، وأوضح أن إنتاج السودان من الذهب في عام 2024 تجاوز “64” طناً، فيما بلغ إنتاج النصف الأول من عام 2025 أكثر من “37” طناً، ما يعكس زيادة مطردة في وتيرة الإنتاج، وفي ديسمبر من العام الماضي، أعلنت الشركة عن طفرة في إنتاج الذهب، حيث بلغ إجمالي الإنتاج 70 طنًا، وهو أعلى مستوى إنتاج خلال السنوات الخمس السابقة، وأظهرت بيانات الشركة السودانية للموارد المعدنية أن السودان أنتج 64 طناً من الذهب في 2024، محققاً إيرادات حكومية بنحو 1.6 مليار دولار، مُقابل إنتاج 34.5 طن وإيرادات 2.02 مليار دولار في 2022، قبل اندلاع الحرب.

حكاية العوائد الجليلة للتعدين:

وتحصل فريق التحقيق على مستندات تفيد بأن ثمة فساد كبير حدث في قطاع المعادن، كشف عن لائحة تقسيم حوافز تحصيل العوائد الجليلة للتعدين التقليدي التي تم اعتمادها من وزير المعادن في عهد النظام البائد، ووفقاً للمادة (٣) الفقرة (٣) تحفظ ٠٥٪ من قيمة حوافز كل ولاية كامانات تحت تصرف المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية، ووفقاً للمادة (٥) مقروءة مع المادة (٦) والمادة (٧) يتم مركزة متبقي صرف حافز مكتبي الولاية (فائض نسبة ال ١.٥٪) لتحفيز منسوبي الإدارة العامة للتعدين التقليدي والإدارات الأخرى ذات الصلة، وبتاريخ ٣/سبتمبر/ ٢٠١٨م تم تغيير الأمر وأصبح توزيع فائض ال ١.٥٪ وال ٥. ٪ يتم كما يلي: نسبة ٥٠٪ من إجمالي (ال ٥. ٪ وفائض ال ١.٥ ٪) تحول للصندوق التكافلي للعاملين بالشركة، ونسبة ٣٠٪ من إجمالي (ال ٥.٪ وفائض ال ١.٥٪) تكون تحت تصرف وزير المعادن، ونسبة ٢٠٪ من إجمالي (ال ٥. ٪ وفائض ال ١.٥٪) تكَون تحت تصرف المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية، ومن خلال هذه الخطابات تأكد أن هناك أموال يتم تجنيبها بلوائح انشأها النظام البائد، وهذه الأموال تسمى أموال العوائد الجليلة للتعدين التقليدي، ولايدخل منها ولا جنيه واحد لخزينة الدولة وتضيع هذه الأموال بين مكتب المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة ووزير المعادن.

أشكال وأنماط الفساد داخل الشركة:

وكشفت شهادات موظفين حاليين وسابقين في الشركة السودانية للموارد المعدنية عن نمط من التعيينات التي لا تستند إلى الكفاءة، بل إلى الولاء أو العلاقات الشخصية، في إدارات حساسة مثل المالية والتراخيص والمشتريات والرقابة والتحصيل، وتمثل هذه الإدارات مفاتيح التحكم في المال والقرارات والنفوذ، والأخطر من ذلك هو ما يتعلق بمنح الامتيازات لشركات محددة، وتشير إفادات بعض المصادر إلى أن بعض الشركات تحظى بمعاملة تفضيلية، سواء في تسريع الإجراءات أو التغاضي عن المخالفات، وفي عالم التعدين، لا تكمن القوة فقط في الإنتاج، بل في العقود، وفحص عقود الامتياز والشراكات، ويكشف الأمر عن غياب معايير الشفافية في بعض الحالات، حيث تم منح حقوق تعدين دون طرح عطاءات تنافسية واضحة، وبعض هذه العقود – بحسب مصادر مطلعة – تتضمن شروطاً مجحفة بحق الدولة، مثل نسب منخفضة من العائدات أو إعفاءات ضريبية غير مبررة.

وظهرت مؤشرات على وجود شركات “واجهة” لا تملك سجلاً تشغيلياً حقيقياً، لكنها تحصل على امتيازات، ثم تقوم ببيعها أو تأجيرها لشركات أخرى، وهذا النمط لا يشير فقط إلى فساد، بل إلى منظومة متكاملة لإعادة توزيع الموارد خارج الأطر القانونية، فيما يشير خبراء اقتصاد إلى فجوة واضحة بين أرقام الإنتاج والإيرادات، معتبرين أن هذه الفجوة لا يمكن تفسيرها دون وجود خلل هيكلي في منظومة التحصيل أو تسرب كبير في الموارد، وفي غضون الحرب التي تشهدها البلاد برزت شبكة من المصالح المتداخلة، تستفيد من غياب الشفافية وضعف الرقابة.

فساد “ديب ميتالز” وإستغلال النفوذ:

وتفيد متابعات فريق التحقيق بأن رجل الأعمال المصري محمد الجارحي وقع ممثلا عن شركة “ديب ميتالز” في 4 – سبتمبر – 2025م اتفاقية استثمارية مع وزارة المعادن السودانية، وتشمل الإتفاقية استحواذ الشركة على 85٪ من منجم “اركيديا” الغني بالذهب، وحصلت الشركة أيضا علي امتياز الاستكشاف والإنتاج في عدة ولايات أخري منها جنوب كردفان ونهر النيل والنيل الأزرق، وبحسب متابعات فريق التحقيق تأكد إن الشركة يمتلكها المدير السابق للشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة مبارك عبدالرحمن أردول ورجل الأعمال عمر النمير ورجل الأعمال المصري محمد الجارحى، وتم توزيع الاسهم بينهم كالآتي: ” مبارك أردول وعمر النمير  51.5٪ من الاسهم، ومحمد الجارحي  48.5٪ من الاسهم” وتفيد المتابعات إن الإتفاق تم في شهر سبتمبر من العام 2025. وأثار الاتفاق وقتها شبهات تتعلق بالفساد واستغلال النفوذ.

وتحدثت تقارير صحفية وقتها بإن وزير المعادن السوداني نور الدائم طه وقع اتفاقية استثمارية مع شركة “ديب ميتالز” للتعدين، بقيمة تتجاوز “277” مليون دولار، ويمتلك رجل الأعمال المصري محمد الجارحي 47% من الأسهم، بينما تعود بقية الأسهم إلى رجل الأعمال السوداني عمر النمير، وتؤكد المتابعات بأن الإتفاق قد تم فعليا في العاصمة المصرية القاهرة مع شركة “ديب ميتالز” ويشمل العقد الاستكشاف والإنتاج عن معدن الذهب والحديد في عدة مواقع امتياز موزعة على ولايات: “الشمالية، البحر الأحمر، نهر النيل، والقضارف” إلى جانب إنشاء مصنع لمعالجة المخلفات ومصفاة حديثة للذهب، وأثارت هذه الخطوة جدلًا واسعًا واتهامات حول وجود شبهة فساد ومحسوبية في منح الشركة هذا الامتياز.

وزارة المعادن وأردول ينفون:

وفي المقابل اعتبر مدير شركة “ديب ميتالز” والمدير السابق للشركة السودانية للموارد المعدنية مبارك أردول ما تم تداوله معلومات غير دقيقة، وقال أردول وقتها في توضيح صحفي إن شركة “ديب ميتالز” للتعدين شركة سودانية يملكها كل من النمير والجارحي، ويديرها مبارك أردول كمدير عام، برأس مالك قدره “277.3 ” مليون دولار، وهي شركة في مرحلة الرغبة لا التعاقد، وتابع قائلا إن “الشركة لم تبدأ نشاطها بعد، وهي بصدد استكمال المتطلبات والإجراءات القانونية قبل الشروع في التنفيذ الفعلي” وتفيد تقارير صحفية بإن شركة “ديب ميتالز” التابعة للملياردير المصري محمد الجارحي  استحوذت على 85% من منجم “أركيديا” للذهب في السودان، إلى جانب إنشاء مصنع لمعالجة المخلفات ومصفى للذهب، بإجمالي استثمارات تبلغ “277.3” مليون دولار.

وفي سياق متصل نفت وزارة المعادن السودانية، توقيعها اتفاقًا مع شركة مصرية للتنقيب عن الذهب في عدد من الولايات، وقالت وزارة المعادن في بيان إن “الوزارة لم توقّع أي اتفاق أو مذكرة تفاهم مع شركة ديب ميتالز حتى تاريخ هذا البيان، ولم تلتزم بأي التزام عقدي أو قانوني تجاه أي جهة” وأوضحت أن الشركة أبدت رغبتها في الاستثمار بقطاع التعدين في السودان، مع التزامها بالأسس والضوابط المرعية التي تنظم العمل الاستثماري في السودان بشقيه الوطني والأجنبي، ودعا البيان الجهات التي ادّعت أن هنالك اتفاقًا وُقّع بين وزارة المعادن وشركة ديب ميتالز إلى تقديم ما لديها من أدلة توضّح مصداقية ادعاءاتها.

إنتاج الذهب قبل وبعد الحرب:

قبل إندلاع الحرب في 15 – أبريل – 2023 بلغ الإنتاج الرسمي للذهب في عام 2022 نحو “87” طناً، وبعد اندلاع الحرب، انتقل الذهب بسرعة من مورد هش إلى مورد خارج عن الدولة بالكامل. وتعطّلت منظومات الرقابة، وتوقفت آليات الشراء الرسمية، وتحوّلت مناطق التعدين، لا سيما التقليدي، إلى فضاءات مفتوحة تُدار بالقوة المسلحة لا بالقانون، في هذا السياق، لم يعد تهريب الذهب ظاهرة هامشية أو استثنائية، بل أصبح النمط السائد لخروج الذهب من السودان، وتشير تقديرات مراكز أبحاث دولية إلى أن ما بين 50% و80% من الذهب السوداني يُهرَّب خارج القنوات الرسمية، وهي نسبة تعكس عمق انهيار الدولة، وبعد الحرب أصبح الذهب أداة مثالية لتمويل الصراع المسلح، وتحوّل الذهب في السودان إلى عملة حرب تُستخدم لتأمين السلاح، وتمويل العمليات، وبناء شبكات الولاء، بعيداً عن أي إطار قانوني أو رقابي.

وفي 28 – ديسمبر – 2025 أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية، الذراع الرقابي لوزارة المعادن، عن طفرة في إنتاج الذهب للعام 2025، حيث بلغ إجمالي الإنتاج 70 طناً، بنسبة إنجاز بلغت 113% مقارنة بالمستهدف، وهي أعلى إنتاجية تتحقق خلال السنوات الخمس الماضية، فيما تخطت الإيرادات حاجز التريليون جنيه – نحو (392) مليون دولار، وكشف تقرير الأداء للعام 2025 عن تحقيق نتائج استثنائية في المحاور المالية والإنتاجية؛ إذ بلغت جملة الإيرادات العامة تريليوناً و87 مليار جنيه سوداني (ما يعادل 426.27 مليون دولار)، بنسبة إنجاز بلغت 132% من الربط المخطط له للعام.

كارثة إقتصادية وأرقام صادمة :
وسجّل السودان في عام 2025 أعلى إنتاج للذهب خلال السنوات الخمس الماضية، رغم استمرار الحرب المدمرة، وأعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة عن إنتاج رسمي بلغ 70.15 طنًا، متجاوزًا المستهدف الحكومي البالغ 62.02 طنًا بنسبة إنجاز 113%. وتوزّع هذا الإنتاج على النحو التالي: التعدين التقليدي ساهم بالنصيب الأكبر بـ58.376 طنًا (83% من الإجمالي)، بينما ساهمت شركات المعالجة بـ5.678 طنًا من المخلفات، وشركات الامتياز بـ5.963 طنًا. وبلغت إيرادات الشركة السودانية للموارد المعدنية 1.087 تريليون جنيه سوداني.

غير أن الرقم الأكثر دلالة على حجم الكارثة هو رقم الصادرات الرسمية: 12.5 طنًا فقط، بقيمة 1.3 مليار دولار. وهذا يعني أن 57.65 طنًا أي أكثر من 82% من الإنتاج الرسمي المعلن اختفت من الدورة الوطنية. وهذا لا يشمل الإنتاج غير الرسمي الذي تشير التقديرات إلى أنه يفوق الرقم المعلن بكثير، وفي سياق متصل تؤكد مصادر مستقلة أن الإنتاج الفعلي، بما في ذلك الكميات غير الرسمية من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع وشبكات التهريب، قد يتراوح بين 100 و120 طنًا سنويًا. وبسعر الذهب الحالي البالغ 5,200 دولار للأونصة، فإن القيمة الإجمالية لإنتاج الذهب السوداني تتراوح بين 16.7 و20.1 مليار دولار سنويًا يذهب معظمها خارج خزينة الدولة لتمويل الحرب وإثراء شبكات التهريب الإقليمية، وتكشف الأرقام الرسمية عن فجوة مروّعة بين الإنتاج والتصدير الرسمي، ومن أصل 70.15 طنًا مُنتجة رسميًا في عام 2025، لم يُصدَّر سوى 12.5 طنًا عبر القنوات الرسمية، وهنا يبرز السؤال الحتمي: أين ذهبت الـ57.65 طنًا المتبقية؟

الأرقام تكشف حجم الكارثة:

وتؤكد الأرقام المحدثة لعام 2025 تصاعد ظاهرة تهريب الذهب وتكشف حجم الكارثة بدقة غير مسبوقة وبحسب الأرقام فإن: 70.15 طنًا إنتاجًا رسميًا (11.73 مليار دولار) الأعلى في خمس سنوات، لكن 12.5 طنًا فقط (2.09 مليار دولار) صُدِّرت رسميًا أي أن 82% من الإنتاج المعلن بقيمة 9.64 مليار دولار اختفى. 3.2 مليارات دولار صادرات ذهب مصرية في ربع واحد فقط بزيادة 2,746%. 48 طنًا (8.02 مليار دولار) من الذهب السوداني دخلت مصر في 2024 وحده. 80% من الإنتاج الفعلي يُهرَّب وفقًا لتقديرات مستقلة. 58.376 طنًا (9.76 مليار دولار) من التعدين التقليدي الأكثر عُرضة للتهريب. مليار دولار أرباح سنوية لشركة الجنيد التابعة للدعم السريع. وما بين 16.7 و20.1 مليار دولار قيمة إجمالية مُقدَّرة للذهب السوداني عند السعر الحالي معظمها يذهب خارج خزينة الدولة.

خسائر بمليارات الدولارات:

وفي 21 – فبراير – 2026 قال مدير الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية أحمد هارون التوم إن خسائر قطاع التعدين بلغت “7” مليارات دولار جراء الحرب المتواصلة منذ 34 شهرًا، وذكر هرون في بيان له، إن “خسائر قطاع المعادن في السودان جراء الحرب بلغت نحو 7 مليارات دولار” وكشف عن تقلّص نشاط الهيئة من 18 ولاية قبل اندلاع الحرب إلى 6 ولايات فقط حاليًا، ما أثّر بشكل مباشر على عمليات البحث والاستكشاف والإيرادات العامة، وتفيد المتابعات بأن القطاعات الحكومية والخاصة في السودان تعرضت لعمليات نهب وتخريب بسبب الحرب، ما أدى إلى فقدان بنيتها التحتية كليًا أو جزئيًا، مع خسائر تتراوح بين ملايين ومليارات الدولارات في مختلف القطاعات نتيجة الأضرار التي لحقت بها، وتفيد الملعومات بأن السودان يحتل المرتبة الثالثة إفريقيًا والثالثة عشرة عالميًا من حيث تنوع وحجم الثروات المعدنية، وأن نحو 75% من الموارد المعدنية في البلاد لا تزال بحاجة إلى أعمال استكشاف وتقييم تفصيلية، بحسب الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية

 أحمد هرون التوم المدير العام للهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية

السودانية.

تهريب الذهب السوداني:

وتفيد متابعات فريق التحقيق بأن الذهب السوداني يتم تهريبه عبر الحدود السودانية مع الدول المجاورة مثل “مصر، وتشاد، وأريتريا، وأثيوبيا، وجنوب السودان، وكينيا” ومن أكثر النقاط التي يتم عبرها تهريب الذهب هي الطرق الصحراوية الوعرة والحدود غير المراقبة بشكل جيد، ويُباع جزء كبير من الذهب الذي يتم تهريبه محليًا عبر الأسواق غير الرسمية، حيث يُخفي المهربون الذهب ويبيعونه بعيدًا عن أنظار السلطات.وهذه الأسواق تتسم بالسرية، ولا يتم فيها توثيق المعاملات بشكل رسمي، وبعض الشركات الوهمية التي تتبعها شبكات تهريب الذهب تستخدم القنوات الرسمية لاستيراد وتصدير المعادن الثمينة، لكنها في الواقع تقوم بتهريب الذهب عبر تلاعب في التصاريح أو مستندات الشحن، وفي بعض الحالات، يكون الفساد داخل المؤسسات الحكومية أو العسكرية سببًا رئيسيًا في استمرار عمليات التهريب، حيث يتورط بعض المسؤولين في تسهيل عمليات التهريب مقابل رشاوى، ويسبب تهريب الذهب ضرراً كبيراً  للاقتصاد السوداني، حيث يُحرم الحكومة من العوائد الضريبية والجمركية التي يمكن أن تُستثمر في مشاريع التنمية الوطنية.

 

نواصل في الحلقة الثانية…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.