التعليم في المنفى بين الرسوم والجباية: كيف تحولت معاناة اللاجئين السودانيين في كمبالا إلى سوق مفتوح للاستغلال؟
بقلم - أدم مكرم
لم تكن الحرب في السودان مجرد معارك تدور في المدن والقرى، بل كانت زلزالاً إنسانياً اقتلع ملايين الأسر من بيوتها، ودفعها إلى طرق النزوح واللجوء بحثاً عن الأمان. وبينما كانت العائلات السودانية في أوغندا تحاول ترميم ما تبقى من حياتها، ظهرت معاناة جديدة أكثر قسوة: حرمان الأبناء من التعليم أو تحويل التعليم نفسه إلى سلعة تُباع بالدولار.
في العاصمة الأوغندية كمبالا، برزت مؤسسات تعليمية يفترض أنها وُجدت لخدمة أبناء اللاجئين السودانيين، لكنها ـ بحسب شكاوى عدد من أولياء الأمور ـ تحولت إلى كيانات تجارية تستثمر في مأساة الحرب. وتأتي “مدرسة التفوق السودانية” في مقدمة هذه المؤسسات التي تواجه اتهامات باستغلال أوضاع الأسر اللاجئة وفرض رسوم باهظة لا تراعي ظروفهم الإنسانية.
بدأت الأزمة مع فرض رسوم امتحانات على جميع المراحل الدراسية، من الابتدائي وحتى الشهادة السودانية، بالدولار الأمريكي. رسوم رأى فيها كثير من أولياء الأمور شكلاً من أشكال الجباية أكثر من كونها خدمة تعليمية، خاصة أن معظم هذه الأسر خرجت من السودان هرباً من الموت وفقدت مصادر دخلها واستقرارها.
ومع تصاعد الغضب وسط الجالية السودانية، تحولت القضية إلى رأي عام بعد تداولها إعلامياً وعلى منصات التواصل الاجتماعي. وتحت الضغط، جرى تخفيض الرسوم من 100 دولار إلى 45 دولاراً. لكن الأزمة لم تنتهِ عند هذا الحد.
بحسب إفادات عدد من أولياء الأمور، ظهرت رسوم إضافية تحت مسمى “رسوم المركز”، فرضتها إدارة مدرسة التفوق بصورة منفصلة عن الرسوم الرسمية. وخلال نقاشات مع الإدارة، تحدث مدير المدرسة الأستاذ محمد آدم ـ وفق روايات أولياء الأمور ـ عن وجود نصيب يذهب إلى جهات مرتبطة بالسفارة السودانية، ما أثار تساؤلات واسعة حول طبيعة هذه الأموال والجهات المستفيدة منها.
الأخطر من ذلك، وفق الشهادات المتداولة، أن إدارة المدرسة اتخذت قراراً باعتبار جزء من المبالغ المدفوعة “تبرعاً” للمدرسة دون الرجوع إلى أولياء الأمور أو أخذ موافقتهم. وبعد احتجاج بعض الأسر، أعيدت مبالغ متفاوتة لبعض أولياء الأمور، حيث حصل المقيمون قرب وسط المدينة على نحو 60 ألف شلن أوغندي، بينما حصل آخرون من المناطق البعيدة على 40 ألف شلن فقط، في مشهد وصفه متابعون بأنه يفتقر إلى العدالة والشفافية.
ويرى كثيرون أن القضية تجاوزت مجرد خلاف مالي، لتصبح نموذجاً خطيراً لاستغلال معاناة اللاجئين وتحويل العملية التعليمية إلى تجارة قائمة على المضاربة بالدولار، في وقت يفترض أن يكون التعليم رسالة أخلاقية وإنسانية قبل أي شيء آخر.
إن المعلم الذي يحمل رسالة بناء الأجيال يفترض أن يكون نموذجاً للصدق والأمانة والشرف، لا طرفاً في نزاعات مالية تزرع الإحباط في نفوس الأسر المنهكة بالحرب والنزوح. كما أن المؤسسات التعليمية التي تعمل وسط مجتمعات اللاجئين مطالبة أخلاقياً وقانونياً بمراعاة الظروف الإنسانية، لا استغلالها لتحقيق المكاسب.
ويبقى السؤال الذي يطرحه أولياء الأمور اليوم:
من يحاسب المؤسسات التعليمية التي تتاجر بمعاناة اللاجئين؟ ومن يحمي حق الأطفال السودانيين في التعليم بعيداً عن الابتزاز المالي والجباية المقنعة؟
كمبالا – ٦ – مايو – ٢٠٢٦ م