Fajr Press

بين التراب والسجون .. مصير غامض لأكثر من (11) ألف من مفقودي حرب السودان.

متابعات - فجر برس

قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن 11 ألف شخص في الأقل فُقدوا في السودان منذ اندلاع الحرب قبل ثلاثة أعوام، بزيادة تفوق 40 في المئة خلال العام الماضي وحده، لافتة إلى “المعاناة النفسية العميقة والمستمرة” التي لحقت بآلاف العائلات التي “لا تزال تنتظر أخباراً عن أحبائها الذين انفصلت عنهم أثناء الفرار من القتال”.

مع دخول حرب السودان عامها الرابع تزايدت أعداد المختفين قسراً والمعتقلين بصورة كبيرة، في وقت تعيش فيه أسرهم معاناة نفسية بسبب اختفاء أبنائها في ظروف غامضة بخاصة بعد رفض طرفي الصراع الكشف عن مصير المفقودين في السجون غير الرسمية التابعة لهما.

ومع توسع رقعة الحرب ارتفع عدد المفقودين في السجون غير القانونية لقوات “الدعم السريع”، وكذلك الجيش السوداني، مما أثار قلق العائلات والقانونيين والنشطاء على مصير آلاف المدنيين، لا سيما بعد حدوث عشرات الوفيات في مواقع الاحتجاز السرية.

معاناة نفسية

من جهتها قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن 11 ألف شخص في الأقل فُقدوا في السودان منذ اندلاع الحرب قبل ثلاثة أعوام، بزيادة تفوق 40 في المئة خلال العام الماضي وحده، لافتة إلى “المعاناة النفسية العميقة والمستمرة” التي لحقت بآلاف العائلات التي “لا تزال تنتظر أخباراً عن أحبائها الذين انفصلت عنهم أثناء الفرار من القتال”.

وأشار نائب المدير الإقليمي للجنة الدولية للصليب الأحمر جيمس رينولدز إلى أن “هذه الأرقام، التي لا تمثل على الأرجح سوى جزء ضئيل من الأعداد الحقيقية، تُظهر الكلفة البشرية للنزاعات المطولة كهذا النزاع”، مشيراً إلى أن “تغير خطوط الجبهة أدى إلى نزوح أكثر من 11 مليون شخص، بعضهم مرات عدة”.

وأضافت اللجنة الدولية أن من بين هؤلاء، فر 4 ملايين شخص من البلاد، وأكدت أن تدمير كثير من شبكات الاتصالات أدى إلى “فقدان عائلات لا تُحصى الاتصال بأحبائها، ويسبب عدم اليقين في شأن مصيرهم معاناة نفسية عميقة ومستمرة”.

وأفادت اللجنة بأنها “ساعدت مئات العائلات على إعادة التواصل مع أقاربها، إذ سهلت جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في السودان أكثر من 560 ألف مكالمة هاتفية عام 2025، وكذلك في مصر وجنوب السودان وتشاد، إضافة إلى حل 1100 حالة اختفاء”.

فدية واختفاء

في السياق يقول جعفر بخيت، وهو نازح من مدينة النهود بولاية غرب كردفان “فقدت ثلاثة من أفراد أسرتي أثناء محاولة الفرار من المدينة في ديسمبر 2025، بخاصة بعد تزايد معدلات الانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين، ومنذ ذلك اليوم بدأنا في البحث عنهم من خلال نشر صورهم في مواقع التواصل الاجتماعي، من دون أن نجد أي خيط يوصلنا إليهم حتى هذه اللحظة”.

وأضاف بخيت “نعيش مأساة الفقد، ولم نجد ما يدلنا على مواقع احتجازهم منذ فرارنا من ولاية غرب كردفان والعيش كنازحين في معسكرات الإيواء بمدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، ونحمل قوات ’الدعم السريع‘ مسؤولية سلامة أشقائنا لأنها متورطة في عمليات احتجاز واعتقال غير قانونية في حق المدنيين في الإقليم”.

وأوضح بخيت أن “الاحتجاز طاول النساء والأطفال مع مصادرة الهواتف لاستغلالها في عمليات الابتزاز، لا سيما أن الأسر أصبحت تقتطع لقمة العيش لفدية أبنائها، وبعد ذلك يفاجأون باختفاء الخاطفين والمعتقلين معاً”.

اعتقالات جزافية

على الصعيد ذاته، قال التهامي إسماعيل وهو شقيق مفقود آخر يدعى فارس، “ذهب شقيقي البالغ من العمر 23 سنة في الـ12 من فبراير الماضي لشراء الحاجات اليومية للأسرة في سوق مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة، لكنه تأخر كثيراً، وحاولنا الاتصال به فوجدنا هاتفه مغلقاً”.

وأضاف إسماعيل “بدأ يساورنا القلق مع مرور الوقت حتى دخل الليل، ليصبح الوضع بالنسبة إلينا غير عادي، فاتجهنا إلى مراكز الشرطة فلم نجده، وعدنا إلى المنزل والخوف واليأس يحاصراننا”.

وتابع المتحدث “في اليوم التالي تلقينا اتصالاً من أحد أصدقائه أفاد بأنه اعتقل من قبل جهة تتبع للجيش السوداني، عقب ذلك طرقنا كل الأبواب للتعرف إلى مكان احتجازه، لكن لم نتوصل إلى أي معلومة عنه”.

وأردف إسماعيل “كثير من الأسر في مناطق سيطرة الجيش تعيش ظروفاً نفسية صعبة بسبب اختفاء أبنائها، إذ تجري اعتقالات جزافية بمجرد الاشتباه وفق تقديرات مختلفة بخاصة في مدن ومناطق ولاية الجزيرة”.

صعوبة التواصل

بدورها، تروي زهرة السنوسي التي نزحت إلى ولاية النيل الأبيض أن “أفراد من قوات ’الدعم السريع‘ اعتقلوا ابنها وشقيقها في منطقة الدبيبات بولاية جنوب كردفان في أغسطس 2025، ومنذ ذلك الحين لم تسمع عنهم أي أخبار أو معرفة مكان احتجازهم”.

ونوهت النازحة بأن “بعض أفراد أسرتها خاطروا بالسفر إلى مناطق الدبيبات وأبوزبد والفولة التي تقع تحت سيطرة قوات ’الدعم السريع‘ من أجل البحث عنهما من دون الحصول على معلومات، على رغم دفع مبالغ مالية من أجل الوصول إلى أماكن احتجازهما”.

ولفتت السنوسي إلى أن “الأسر السودانية تعاني آثاراً نفسية صعبة للغاية بسبب فقدان أفرادها والانشغال بمصيرهم المجهول، إذا كانوا أحياء أو أمواتاً وعدم قدرتها على التواصل معهم”.

مصير مجهول

من جهته، نوه المحامي في مجال حقوق الإنسان حيدر يونس بأن “السلطات الأمنية في مناطق سيطرة الجيش ظلت تنفذ اعتقالات خارج القانون في ظل مصير غير معلوم لمئات المحتجزين، فضلاً عن عدم وجود آليات للبحث عن المفقودين والتحقق من أماكن احتجازهم”.

ولفت يونس إلى أن “غالبية عائلات المفقودين في مناطق سيطرة الجيش السوداني تواجه صعوبات كبيرة في التعرف إلى أماكن الاحتجاز والمعتقلات، كما لا توجد أي جهة يتواصلون معها في هذا الخصوص غير الجهات القانونية والنشطاء الحقوقيين”.

ونبه محامي حقوق الإنسان إلى أن “العشرات من الشباب في مدن مثل بورتسودان وعطبرة والقضارف، أوقفوا في الطرقات العامة والمحال التجارية، وتم اقتيادهم إلى جهات غير معروفة، ولا يزال مصيرهم مجهولاً، ولم ترد حتى الآن معلومات عنهم”.

ومضى في القول “من الجانب الآخر يوجد آلاف المفقودين في مناطق سيطرة قوات ’الدعم السريع‘ من المدنيين والعسكريين السابقين الذين تم اعتقالهم بتهمة التواطؤ والتخابر مع الجيش، وتعاني أسرهم نفسياً بسبب الاختفاء في ظروف غامضة”.

مخالفات قانونية

على الصعيد نفسه، أكد حسن حمودة الذي يسكن منطقة شرق النيل في الخرطوم أن “أسرته فقدت الاتصال بشقيقه البالغ من العمر 28 سنة منذ أكثر من عام، عندما اعتقل بواسطة جهة تعرف بـ’الخلية الأمنية‘ بزعم التعاون مع ’الدعم السريع‘، ولم يعد حتى الآن ولا نعرف مكان احتجازه، وأصبح والداه في حال يرثى لها من المعاناة النفسية”.

وبين حمودة أن “عملية القبض على المتهمين بالتعاون تتم من دون اتباع الإجراءات القانونية السليمة، ويودع المتهمون في السجون فترات طويلة تمتد أشهراً عدة وبعضهم تجاوزت مدة حبسه العام، مما يخالف ضمانات المتهم القانونية خلال مرحلة التحري المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991”.

وأردف المتحدث “معظم الاعتقالات في مناطق سيطرة الجيش تتم بنهج تحريضي في كثير من الأحيان، أو بناءً على تصنيف جهوي أو قبلي في أحيان أخرى، وليس بناءً على أدلة محددة قانونية كما لا تتوفر لهم ضمانات التحري القانونية، ومن ثم يبقى المئات في عداد المختفين قسراً”.

وسائل ضعيفة

على نحو متصل، قالت الناشطة الحقوقية وعضو مبادرة “مفقود” نمارق التجاني “الراجح أن أعداد المختفين قسراً والمعتقلين كبيرة، ونتيجة تمدد رقعة القتال عانى المتطوعون تزايد الانتهاكات، فضلاً عن ضعف عمل المنظمات في الرصد والتوثيق، مما أضعف آليات المتابعة الذاتية”.

ونوهت الناشطة الحقوقية بأن “عدداً كبيراً من ذوي الضحايا يتواصلون مع المبادرة، وكذلك هيئة محامي دارفور ويسهمون في تقديم المعلومات لأنهم لم يفقدوا الأمل في الوصول إلى أبنائهم حتى الآن”.

ولفتت التجاني إلى أن “انقطاع شبكات الاتصالات وصعوبة الوصول إلى الولايات التي تشهد نزاعات مسلحة وتسيطر عليها قوات ’الدعم السريع‘، أسباب تحول دون رصد جميع حالات الاختفاء القسري، والراجح أن الأعداد كبيرة في تلك المناطق”.

وأردفت الناشطة “هناك آلاف المفقودين أيضاً في مناطق سيطرة الجيش السوداني، وبظل ظروف الحرب تواجه الجهات الحقوقية، وكذلك أسر المفقودين صعوبات عدة في معرفة مصير الآلاف من المدنيين”.

انتهاكات جسيمة

من جانب آخر اتهمت منظمة “محامو الطوارئ”، وهي منظمة توثق الانتهاكات خلال الحرب، طرفي النزاع في السودان بارتكاب انتهاكات جسيمة شملت الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري في حق المدنيين.

وأشارت المجموعة في بيان إلى أن “هذه الحالات تمثل نمطاً خطراً من الانتهاكات المرتبطة بإدارة مراكز الاحتجاز والسجون خارج أي إطار قانوني، بما في ذلك سجون أم درمان وسوبا وكوبر إلى جانب دقريس في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، وما يصاحب ذلك من حرمان المحتجزين حقوقهم الأساسية واعتقالهم فترات طويلة من دون ضمانات قانونية، مما يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني”.

وأوضح البيان أن “الأسر أثناء محاولتها معرفة مصير أبنائها تتعرض لعمليات احتيال وابتزاز مالي في استغلال لحال القلق، مقابل وعود كاذبة بالمساعدة في الوصول إليهم أو الإفراج عنهم، مما يعكس اتساع دائرة الانتهاكات ويضاعف من معاناة الضحايا وذويهم”.

وطالبت المجموعة الحقوقية بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين تعسفاً، والكشف العاجل عن مصير جميع المختفين قسراً، وكذلك ضمان إغلاق مراكز الاحتجاز غير الرسمية والخارجة عن الإطار القانوني كافة”.

وشدد البيان على ضرورة تمكين المنظمات الحقوقية والمحامين من الوصول إلى جميع السجون ومراكز الاحتجاز من دون قيود، بما في ذلك سجون أم درمان وسوبا وكوبر ودقريس بمدينة نيالا، إضافة إلى وقف استخدام الاعتقال كأداة في النزاع، والإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين، فضلاً عن ضمان حماية المدنيين من كل أشكال الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري.

هجمات عشوائية

وخلفت الحرب التي دخلت عامها الرابع عشرات الآلاف من القتلى، وتشير بعض التقديرات إلى تجاوز الحصيلة 200 ألف قتيل، وتشريد الملايين داخل البلاد وخارجها، وأدت إلى واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم.

وقال رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر في السودان دانيال أومالي في بيان، “بلغت معاناة المدنيين جراء الحرب مستويات غير مسبوقة”.

وأضاف أومالي “في مرحلة ما، طاولت البلاد بأكملها هجمات عشوائية”، داعياً الأطراف المتحاربة و”من يمارسون نفوذاً مباشراً إلى إنهاء الأعمال العدائية أو تيسير حلها”، وحذر من أن “كلفة التقاعس اليوم ستكون باهظة غداً”.

نقلا عن اندبندنت عربية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.