Fajr Press

مشروع قانون السودان .. خطوة حاسمة تجاه وقف الحرب.

متابعات - فجر برس

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الأميركي بالأزمة السودانية، وافقت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي على مشروع قانون خاص بالسودان بأغلبية 44 صوتاً مقابل صوتين، قبل إحالته إلى المجلس لمناقشته والتصويت عليه في جلسة عامة لاحقة. ويأتي هذا التحرك في ظل تزايد الضغوط داخل الكونغرس على إدارة الرئيس الأميركي لاتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل 2023، والتي خلّفت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.

ويعكس التصويت الكاسح داخل اللجنة توافقاً نادراً بين الجمهوريين والديمقراطيين بشأن خطورة التطورات في السودان، خصوصاً مع استمرار القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وتوسع الانتهاكات ضد المدنيين، بما في ذلك اتهامات بارتكاب جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي في إقليم دارفور. كما يشير إلى أن الملف السوداني لم يعد يُنظر إليه في واشنطن بوصفه أزمة إقليمية معزولة، بل باعتباره تهديداً للاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بما يحمله ذلك من تداعيات على الأمن الدولي وحركة التجارة والطاقة والهجرة غير الشرعية.

وبحسب مسودات ومضامين متداولة لمشروع القانون، فإن التشريع الجديد يدعو إلى إدانة الانتهاكات ضد المدنيين، ومحاسبة الأطراف المتورطة في جرائم الحرب، ووقف الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، إضافة إلى تعزيز آليات العقوبات ضد الجهات والأفراد الذين يعرقلون جهود التسوية السياسية أو يساهمون في تأجيج النزاع. كما يتضمن دعوات لدعم جهود العدالة الانتقالية وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.

ويرى مراقبون أن أهمية مشروع القانون لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته السياسي أيضاً. فالولايات المتحدة تواجه انتقادات متزايدة بسبب ما يُعتبر “ضعفاً” في التعامل مع الأزمة السودانية مقارنة بملفات دولية أخرى أكثر حضوراً على أجندة السياسة الخارجية الأميركية، مثل أوكرانيا وغزة والصين. لذلك، فإن تمرير مشروع القانون من اللجنة يمثل رسالة سياسية بأن الكونغرس يسعى لاستعادة زمام المبادرة والضغط على الإدارة الأميركية لتبني سياسة أكثر وضوحاً تجاه السودان.

ويسلط المشروع الضوء على البعد الإقليمي للحرب، إذ يتحدث عن ضرورة وقف الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، في إشارة ضمنية إلى اتهامات متبادلة بتورط قوى إقليمية في دعم هذا الطرف أو ذاك. وخلال الأشهر الماضية، شهدت واشنطن نقاشات متزايدة حول دور بعض الدول في تأجيج النزاع السوداني، سواء عبر الدعم العسكري أو المالي أو اللوجستي، وهو ما دفع عدداً من أعضاء الكونغرس إلى المطالبة بإعادة تقييم العلاقات الأميركية مع تلك الأطراف.

ويأتي التحرك الأميركي كذلك في ظل تحولات داخلية في السودان نفسه. فمع تعثر المبادرات السياسية وتراجع فرص الحسم العسكري السريع، بدأت دوائر غربية تتحدث عن ضرورة بناء مسار سياسي جديد يقوم على دعم القوى المدنية وإعادة إطلاق عملية انتقال ديمقراطي، بعيداً عن هيمنة السلاح. ولهذا، يتضمن مشروع القانون إشارات واضحة إلى دعم الحكم المدني الديمقراطي ورفض أي ترتيبات تكرس عسكرة الدولة السودانية.

ومن الناحية التشريعية، لا يعني إقرار المشروع داخل لجنة الشؤون الخارجية أنه أصبح قانوناً نافذاً، إذ ما يزال بحاجة إلى المرور بعدة مراحل، تبدأ بمناقشته والتصويت عليه داخل مجلس النواب، ثم إحالته إلى مجلس الشيوخ، قبل أن يصل إلى الرئيس الأميركي للتوقيع عليه. ومع ذلك، فإن اجتيازه هذه المرحلة بأغلبية كبيرة يعزز فرص تقدمه، خاصة إذا استمرت حالة الإجماع الحزبي حول الملف السوداني.

ويحذر خبراء من أن أي قانون أميركي جديد بشأن السودان قد يترتب عليه تشديد إضافي للعقوبات الاقتصادية والدبلوماسية، وربما فرض قيود على التعاملات المالية أو المساعدات العسكرية المرتبطة بأطراف النزاع. كما قد يؤدي إلى زيادة الضغوط الدولية داخل مجلس الأمن والأمم المتحدة من أجل تبني مقاربة أكثر صرامة تجاه الحرب.

في المقابل، ثمة من يرى أن العقوبات وحدها لن تكون كافية لإنهاء الصراع، ما لم تترافق مع جهود دبلوماسية فعالة تشمل القوى الإقليمية المؤثرة. ويستند هذا الرأي إلى تجارب سابقة أظهرت محدودية تأثير العقوبات الأميركية في النزاعات المعقدة، خصوصاً عندما تتداخل فيها الحسابات الجيوسياسية والمصالح الاقتصادية والأمنية.

ومع اقتراب الحرب السودانية من دخول عامها الرابع، تبدو واشنطن أمام اختبار جديد في كيفية إدارة الأزمات الأفريقية. فالسودان، الذي كان يوماً نموذجاً واعداً للانتقال الديمقراطي بعد سقوط نظام عمر البشير، تحول اليوم إلى ساحة حرب مفتوحة تهدد بتفكيك الدولة وانهيار مؤسساتها. لذلك، فإن مشروع القانون الجديد قد يمثل بداية مرحلة أميركية مختلفة، عنوانها الانتقال من سياسة “إدارة الأزمة” إلى محاولة التأثير المباشر في مسارها.

ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الضغوط الأميركية والدولية دفع الأطراف السودانية نحو تسوية سياسية حقيقية، أم أن الحرب تجاوزت بالفعل نقطة العودة؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل السودان، بل أيضاً شكل التوازنات الجديدة في منطقة القرن الأفريقي بأسرها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.