حين تُقدَّس الراية، يضيع الطريق.
يُروى عن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور إدراكه أن أخطر ما يواجه الدولة ليس خصومها، بل لحظة تحريم السؤال باسم القداسة؛ فالدولة لا تسقط حين تُراجع أفكارها، بل حين تُسلِّم عقلها للرمز.
تبدو هذه الفكرة اليوم شديدة المعاصرة في الحالة السودانية. فالموقف من إسرائيل لم يُصَغ يومًا بوصفه قرار دولة محكومًا بحساب المصلحة، بل جرى تحميله بدلالة أيديولوجية حوّلته إلى مُحرَّم سياسي لا يُناقش. منذ خمسينات وستينات القرن الماضي، ومع صعود القومية العربية، لم يُسأل السوداني: ما مصلحتك؟ بل سُئل: إلى أي خطاب تنتمي؟
بنيويًا، أدّت القومية العربية في السودان وظيفة الإزاحة؛ أزاحت سؤال الهوية الوطنية واستبدلته بولاء رمزي لصراع خارجي. لم تُنتج دولةً ولا سيادة، بل أنتجت تحريم التفكير، فتحوّل الموقف من إسرائيل من خيار سياسي إلى معيار أخلاقي، وصار السؤال نفسه جريمة. نفسيًا، يعكس ذلك سيكولوجية الإنسان المقهور: حين يعجز عن تثبيت هويته الخاصة، يتطرّف في الدفاع عن هوية كبرى، حتى لو لم تعترف به. لذلك بدا السودان أكثر تشددًا من دول خاضت الحروب، وأكثر صخبًا من أطراف دفعت الدم فعليًا، رغم أنه لا يجاور إسرائيل ولم يخض معها حربًا مباشرة.
وحين يتحوّل الرأي إلى مُحرَّم، لا يُدار الخلاف بالحجة، بل بالعقوبة. هنا دخلت السياسة العربية—والسودانية خصوصًا—منطق الكروت الصفراء والحمراء: كرت أصفر لكل من يسأل عن المصلحة، وكرت أحمر لكل من يراجع ما سُمّي بالمقدسات العروبية. بهذه الآلية، لم تعد الأيديولوجيا أداة تعبئة، بل أداة ضبط وابتزاز تُغلق النقاش بدل أن تحمي القضايا.
المفارقة البنيوية أن المركز الذي يفرض هذا المُحرَّم على الآخرين هو نفسه الأكثر تجاوزًا له حين تخدمه المصلحة. تتجلى هنا الخدعة المصرية بوصفها منهج حكم: خطاب شعبوي عالي النبرة في المجال العام—عداء لإسرائيل وتعبئة وجدانية تُعاد صياغتها عبر الإعلام والفنون—يقابله سلوك دولة براغماتي يدير علاقات اقتصادية وأمنية واستخباراتية عميقة، حيث تُقدَّم المصلحة على الأيديولوجيا بلا تردد.
وعند الانتقال من الشعارات إلى الوقائع، يتضح أن العلاقات العربية–الإسرائيلية لم تعد مسألة رمزية، بل شبكة مصالح اقتصادية وعسكرية وسياسية. فالتبادل التجاري والتعاون الأمني والاستخباراتي بين إسرائيل وعدد من الدول العربية بلغ مستويات مليارية، مقرونًا باتفاقات طاقة وتسليح وتنسيق أمني، ما يؤكد أن “العداء” كان خطابًا لإدارة الجماهير، بينما تُدار السياسة بالأرقام في الغرف المغلقة. وفي هذا المشهد، ظل السودان—الذي لا يجاور إسرائيل ولم يخض معها حربًا—أسير مُحرَّم أيديولوجي دفع ثمنه اقتصاديًا وسياسيًا.
وتقدّم التجربة الإفريقية مثالًا كاشفًا: قطعت أوغندا علاقاتها مع إسرائيل عام 1973 تضامنًا مع العرب، ثم استأنفتها كاملة عام 1994. يومها قال الرئيس يوري موسيفيني عبارته الواضحة: لن نكون أصحاب قضية عربية أكثر من العرب أنفسهم. لم تكن استفزازًا، بل توصيفًا لمنطق السياسة: كيف يُطالَب طرفٌ بالالتزام بموقف تخلّى عنه أصحابه، فيما تُدار العلاقات فعليًا على أساس المصالح؟ هنا يتحوّل الاتهام بالخيانة إلى أداة ابتزاز، لا إلى دفاع عن قضية.
وعند تفكيك مصادر الضرر التاريخي على السودان، لا نجد إسرائيل في موقع المتهم الأول؛ بل نجد احتلال أراضٍ سودانية، وأضرارًا بيئية وحضارية جسيمة، وتدخلات إقليمية مباشرة في الحرب، وصمتًا عربيًا طويلًا تجاه الحقوق السودانية. ومع ذلك، استُخدم العداء لإسرائيل ستارًا لمنع التفكير في هذه الوقائع، لا كأداة لحماية السيادة.
في هذا السياق، لا يكون التحدي الحقيقي أمام «تأسيس» اتخاذ موقف مع أو ضد إسرائيل، بل كسر المُحرَّم والانتقال من تفكيكه نظريًا إلى ممارسة السياسة فعليًا. وبناءً على ذلك، فإن «تأسيس» معنيّة بإعلان علاقات خارجية واضحة وشفافة—بما فيها العلاقات مع إسرائيل—تُدار حصريًا وفق معيار المصلحة السودانية. لا بوصفها موقفًا أيديولوجيًا ولا اصطفافًا أخلاقيًا، بل قرار دولة سيادية يُعلن للناس كما يُدار في المؤسسات، بلا ازدواج خطاب ولا مواربة. فالغموض لم يحمِ السودان يومًا، والسكوت لم يُنتج سيادة.
هامش أخلاقي وقانوني:
لا يُسقِط التطبيع ولا العلاقات الدبلوماسية الحقوق القانونية والأخلاقية للشعب الفلسطيني كما تقرّها الشرعية الدولية، ولا يبرّر الاحتلال أو الاستيطان. إدارة المصالح لا تعني الصمت عن الظلم، بل الجمع بين سياسة واقعية وموقف قانوني وأخلاقي ثابت.
الدولة لا تُبنى بالشعارات ولا تُدار بالخوف من الرمز. تُبنى حين يُعاد العقل إلى موقعه الطبيعي: أداة قرار لا تهمة. وكسر المُحرَّم ليس هدمًا للقيم، بل شرطًا لبناء سياسة حقيقية، وسيادة حقيقية، ودولة لا تُدار بالنيابة عن الآخرين.