Fajr Press

وضع السودان بين التعدد الاجتماعي والسياسي

كتب - دكتور نصر الدين أحمد إدريس

السودان يُعد من أكثر دول العالم تنوعًا على المستويات القبليّة والإثنيّة والثقافية واللغوية والدينية، ما جعله “مختبرًا” لصياغة الهوية الوطنية منذ ما قبل الاستقلال وحتى اليوم. تحت هذا التنوع الاجتماعي، طالما ارتبطت صراعات الهوية بالسياسة، واستُخدمت الانتماءات القبلية والمناطقية كأدوات للتحشيد في الصراع السياسي، بدل أن تكون موارد للتكامل الوطني.

1. التعدد القبلي والهوية: تحدٍ تاريخي.

أ. تعددية الهوية في السودان:

السودان معبر بين العالم العربي وأفريقيا، وقد جعل هذا الموقع الجغرافي تاريخيًا هويات متعددة تتعايش وتتداخل. هناك:
هوية عربية-إسلامية ارتبطت بالسياسات الرسمية والبنية السياسية في فترات حكم متعاقبة، تركزت على استخدام اللغة العربية والدين كهوية مركزية.
هوية أفريقية تمسك بها قبائل كثيرة، وتعبّر عن ثقافات ولغات مغايرة لخطاب الهيمنة الرسمي، بالإضافة إلى شعورهم بالتمييز والإقصاء.
هوية سودانية جامعة سعت بعض الحركات المدنية والثورية إلى ترسيخها، بوصفها صيغة موحدة تحت عنوان المواطنة المتساوية، لكن واجهت مقاومة من النُخب السياسية المسيطرة.
ب. صراع الهوية وارتباطه بالصراع المسلح
غالبًا ما كانت قضايا الهوية تُترجم إلى مطالب سياسية واقتصادية، وتُستخدم كذريعة للتمرد أو للحفاظ على السلطة، وليس كمنطلق للحوار والتسوية:
1. حرب دارفور – غالبًا ما صُورت كصراع “عربي مقابل أفريقي”، لكن أصولها كانت تتعلق بالصراع على الأرض والموارد وإدراك غير عادل للسلطة والثروة.
2. حروب الجنوب (حتى الانفصال 2011) – لم تكن مسألة دينية فقط، بل انعكاس لإهمال اقتصادي وثقافي طويل الأمد وهويات لم تُحتوَ داخل الدولة.
3. الحرب الحالية (منذ أبريل 2023) بين الجيش وقوات الدعم السريع طغى عليها خطاب سياسي وعسكري، لكن التحشيد القبلي أعمق وأصبح جزءًا من المناخ الاجتماعي للنزاع. في الحرب الحالية، ظهرت مظاهر تحشيد قبلي مباشر للدعم العسكري والتجنيد، وهو ما يمثل تطورًا في دور القبيلة في الحروب مقارنة بالماضي.
2. التأثيرات الإقليمية للتداخل الاجتماعي والقبلي
السودان لا يعيش في عزلة عن محيطه الإقليمي، والتداخل الاجتماعي والقبلي مع دول الجوار يزيد من تعقيد الأزمة:
شرق السودان وإرتريا: هناك روابط ثقافية ولغوية امتدت لقرون، مما يعني أن أي اضطراب داخلي في السودان يؤثر على التحركات والمواقف عبر الحدود.
جنوب السودان: العلاقات التاريخية المتشابكة، خصوصًا قبل الانفصال، ما زالت مؤثرة في سياسات الهوية والحدود.
أفريقيا الوسطى وتشاد: قبائل مشتركة وطرق تجارة ورع تسهم في ديناميكيات اجتماعية متداخلة تتجاوز الحدود السياسية.
ليبيا ومصر: وجود نفوذ سياسي وأمني من هذه الدول عبر دعم أطراف داخل السودان يزيد من تعقيد الصراع.
هذه التداخلات تجعل أي حل داخلي مرتبطًا بحسابات إقليمية، وتتطلب نهجًا يشمل الجوار في عملية الاستقرار.
3. أسباب الصراع في السودان: تحليل مفتاحي
أ. أزمة الحكم
فشلت الأوضاع السياسية في بناء نظام شمول يدمج التنوع الإثني والثقافي داخل منظومة سياسية عادلة، ما أفضى إلى، هيمنة النخبة المركزية على السلطة والموارد، غالبًا من الشمال ,والوسط، ما زاد من الاستياء في الأطراف،وتراجع الثقة في المؤسسات الوطنية بسبب الانقلابات المتكررة وعدم الاستقرار وكذلك تهميش المناطق الطرفية اقتصاديًا وسياسيًا، مما ولّد بيئات حاضنة للحركات المسلحة.
ب. صراع الهوية
غياب مشروع وطني شامل يعترف بتعدد الهويات، وتحميل الدولة هويات محددة دون غيرها، جعل موضوع الهوية مصدرًا للصراع بدل أن يكون مصدر قوة.
ج. تحشيد القبيلة
الاستخدام السياسي للانتماءات القبلية في الحرب الحالية يعمّق الانقسامات، ويُضعف فرص الحوار السياسي، ويحوّل الهويات من مصادر اجتماعية إلى أدوات للحشد.
4. نماذج عالمية لإدارة التنوع بنجاح
في العالم هناك دول استطاعت تحويل تنوعها من مصدر توتر إلى عامل قوة. أهم الدروس منها:
أ. جنوب أفريقيا
بعد نظام الفصل العنصري، نجحت في بناء دولة متعددة الأعراق من خلال:
– لجنة الحقيقة والمصالحة لمعالجة الانقسامات التاريخية، وتعزيز التسامح.
– قوانين ومؤسسات تحمي المساواة وتضمّن مشاركة كافة المكونات في الدولة.
– مشروع وطني جامع بقيادة قادة مثل نلسون مانديلا، تركّز على المواطنة بدل العرق أو اللون.
ب. كندا
اتخذت سياسة التعددية الثقافية رسميًا عام 1971، مما جعل التنوع جزءًا من المشروع الوطني، يحفظ حق الجماعات في الهوية ويعزز مشاركتهم في الدولة، بدلاً من إقصائهم.
ج. سويسرا وغيرها من النُظم الفدرالية
الأنظمة التي تعتمد على اللامركزية الفدرالية وتوزيع السلطة تتيح للمكونات المختلفة درجة من الحكم الذاتي والمشاركة في صنع القرار الوطني.
5. توصيات لحلول واقعية للأزمة السودانية
أ. إعادة تأسيس المشروع الوطني على أساس المواطنة
– صياغة دستور جديد شامل يعترف صراحة بالتعدد الإثني والثقافي ويضمن المساواة في الحقوق والواجبات.
– تعزيز الهوية الوطنية الجامعة عبر التعليم والإعلام، بحيث تصبح المواطنة فوق الانتماءات الفرعية.
ب. نظام حكم يشرك الجميع
– اعتماد آليات ديمقراطية تمثيلية تضمن مشاركة عادلة لكل المجموعات، مثل نظام التمثيل النسبي والفدرالية.
– إنشاء هيئات للحوار الوطني تضم ممثلين عن كل المكونات الاجتماعية.
ج. معالجة الجذور الاقتصادية والتهميش
إنصاف توزيع الموارد وتنفيذ مشاريع تنموية في الأطراف (شرق السودان، دارفور، النيل الأزرق، كردفان) لتقليل شعور التهميش.
د. المصالحة والعدالة الانتقالية
– إطلاق آليات للعدالة الانتقالية مثل لجنة الحقيقة والمصالحة لمعالجة آثار الحروب والصراعات.
– إلغاء التحشيد القبلي في السياسات العسكرية والمدنية وتعزيز ثقافة الحوار.
خاتمة
تجربة السودان تُظهر أن التنوع لا يُشكّل خطرًا بحد ذاته، بل سوء إدارته وعدم احتوائه سياسيا واجتماعيا هو ما أدّى إلى النزاعات المتكررة. وعبر مشروع وطني يضع المواطنة فوق القبلية والعرقية والدينية، ومن خلال إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية، يمكن للسودان أن يتحول من ساحة صراع إلى نموذج للتنوع الممكن إدارته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.