تأتي تصريحات الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس وزراء حكومة الثورة المدنية، ورئيس تحالف القوى الديمقراطية (صمود)، في لحظة شديدة الالتباس، حيث تتداخل الحرب مع أسئلة الدولة، ويصبح التفكير في المستقبل فعلاً من أفعال المقاومة العقلانية.
ما قاله حمدوك في تصريحاته أمس بمناسبة ذكرى الثورة ويوم الاستقلال، لا يندرج في باب الترف النظري، بل يلامس جوهر الأزمة السودانية كما تراكمت منذ الاستقلال: دولة بلا عقد اجتماعي راسخ، وسلطة بلا شرعية مستدامة، وجيش بلا حدود واضحة بين المهني والسياسي.
حديث حمدوك عن “عقد اجتماعي جديد” ليس شعاراً فضفاضاً، بل إشارة دقيقة إلى أن المأزق السوداني أعمق من تغيير حكومات أو توقيع اتفاقات سلام مؤقتة.
فالدولة التي تقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة، والديمقراطية، هي نقيض مباشر للدولة التي حكمتها الامتيازات، والتمكين، وتحالف السلاح مع الأيديولوجيا. في هذا المعنى، يبدو الرجل وكأنه يعيد تعريف نقطة البداية، لا استئناف السير من منتصف الطريق المعطوب.
وفي هذا السياق، ليست الحرب الجارية سوى التعبير الأكثر عنفاً عن غياب العقد الاجتماعي. فعندما تعجز الدولة عن تأسيس علاقة عادلة بين مواطنيها، يحل السلاح محل السياسة، وتصبح القوة وسيلة الحكم الوحيدة.
والحرب، هنا، ليست طارئاً يمكن تجاوزه، بل نتيجة حتمية لدولة لم تحسم أسئلة السلطة والشرعية: من يحكم، وكيف يحكم، ولمصلحة من؟
إن هذه الحرب، في ترجمتها اليومية، ليست سوى فقدان الناس لأبسط ضمانات الحياة: أمان يتبخر، واقتصاد ينهار، وخدمات تتلاشى، بينما يدفع المواطن كلفة صراع لم يكن طرفاً في صناعته.
اللافت في طرح حمدوك أنه لم يكتفِ بنقد الماضي، بل وضع شروطاً واضحة للمستقبل، خصوصاً في ما يتصل بالحركة الإسلامية وتجربتها في الحكم.
إن المقارنة مع تجريم النازية أو تفكيك نظام الفصل العنصري لا تُقرأ بوصفها استدعاءً دعائياً للتاريخ، بل كتنبيه إلى أن المجتمعات التي لا تحاسب مشاريعها التدميرية، تظل رهينة لإعادة إنتاجها بأسماء جديدة. هنا، لا يدعو حمدوك إلى الإقصاء، بل إلى السياسة بوصفها فعلاً مدنياً خاضعاً للقانون، لا غطاءً للدين ولا امتداداً للانقلاب.
أما حديثه عن الجيش، فيمثل لبّ الإشكال السوداني المعاصر. فإعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية ليست مطلباً مثالياً، بل شرط وجود للدولة نفسها. دولة تتعدد فيها الجيوش، أو يحتكر فيها السلاح القرار السياسي، هي دولة مؤجلة مهما طال الزمن. والإشارة إلى خطورة المليشيات الموازية ليست توصيفاً عابراً، بل تشخيصاً دقيقاً لانهيار مفهوم السيادة.
في المحصلة، لا يطرح د. حمدوك برنامجاً سياسياً جاهزاً بقدر ما يضع المجتمع السوداني أمام مسؤوليته التاريخية. فوقف الحرب ليس مطلباً إنسانياً فحسب، بل شرط تأسيسي لقيام الدولة نفسها، وأي توافق لا يواجه جذور الأزمة سيعيد إنتاجها بصيغ أكثر عنفاً.
بين من يراهنون على السلاح ومن يهربون إلى التسويات السطحية، يذكّر هذا الخطاب بحقيقة واحدة: لا مستقبل للسودان بلا دولة مدنية، ولا دولة بلا عقد اجتماعي مُلزِم، ولا عقد يُفرض بالقوة.