الاستخبارات المضادة وحصاد الدم في حرب النفوذ الضائع من خلال اختطاف سنجة الأيديولوجي
بقلم - نفيسة حجر
لم تكن فاجعة مدينة “سنجة” في الثاني عشر من يناير ٢٠٢٦، والتي حصدت أرواح ٢٧ من كبار القادة والولاة وبعض قيادات الحركة الاسلامية، مجرد اختراق أمني عابر؛ بل كانت الزلزال الذي كشف عورة الإدارة المختطفة للمؤسسة العسكرية السودانية.
إن الهجوم الدقيق بالمسيرات على اجتماع بهذا الثقل يضعنا أمام الحقيقة العارية: إن من يدير هذه الحرب العبثية ليسوا جنرالات الميدان المهنيين، بل هم مدنيو “الاستخبارات المضادة” الذين حولوا الجيش من مؤسسة وطنية لحماية الأرض إلى أداة لتأمين نفوذ تنظيم أيديولوجي تآكلت شرعيته ولم يتبقَّ له سوى المقامرة بدماء العسكريين.
إن الخطيئة الكبرى تبدأ من دهاليز الاستخبارات المضادة، تلك الوحدة التي يهيمن عليها مدنيون من منسوبي الحركة الإسلامية، والذين أحكموا قبضتهم على مفاصل القرار العسكري والاستثماري. هؤلاء المدنيون هم من هندسوا “قانون الدعم السريع” في ٢٠١٧ وشرعنوه كقوة مقننة موازية للجيش، ثم تلاعبوا بمواده في عهد البرهان ليجعلوا منه “جيشاً رديفاً” مستقلاً وليست مليشيا كما يدعون.
غير أن الأخطر من “القوننة” هو العجز الفاضح عن التفكيك، فقد أثبتت الوقائع أن تفكيك هذا الوحش الاستراتيجي قد استعصى تماماً على عقولهم الأمنية، والدليل القاطع هو قيام الاستخبارات المضادة بأكثر من ثلاثين محاولة فاشلة لتفكيك الدعم السريع، كانت تنتهي في كل مرة بالفشل الذريع، حتى لم يجد هؤلاء المدنيون في جعبتهم سوى خيار “شمشون حين قال عليّ وعلى أعدائي يا رب” فقاموا بإشعال هذه الحرب الشاملة كمحاولة أخيرة ويائسة لتصحيح أخطائهم التاريخية، بينما تفيد الأنباء الواردة بتواجد “أحمد هارون” –أحد أبرز مهندسي هذه الحرب– في العاصمة اليوغندية “كمبالا”، في مفارقة تعكس كيف يدير قادة الظل المشهد من الخارج بينما يحترق القادة والجنود في الداخل.
إن مأساة سنجة تكشف أن الاستخبارات المضادة، التي فشلت في ثلاثين محاولة تفكيك سلمية وأمنية من بينها تشجيع قادة الدعم السريع بارسال جنودهم الي اليمن حتى يتم القضاء عليهم.
لا تزال هذه المجموعة تمارس ذات التخبط في الميدان؛ فهي لم تكن مشغولة بتأمين الأجواء من المسيرات الانتحارية، بل كانت ولا تزال مشغولة بتأمين “النفوذ الأيديولوجي” وتصفية الحسابات السياسية. هذا الخلل البنيوي جعل “الجيش الرديف” (الدعم السريع) يتمدد في دارفور وكردفان ويزحف نحو النيل الأزرق، مستغلاً غياب الرؤية العسكرية المهنية، بينما تكتفي القيادة بالصمت المريب، عاجزة حتى عن إصدار بيان ينعى قادتها، خوفاً من انكشاف حقيقة أن القرار العسكري بات “رهينة” في أيدي خلايا أمنية مدنية لا تتردد في التضحية بأرفع الرتب العسكرية كوقود لاستمرار إمبراطوريتها المالية.
عبر صحوة مجتمعية واعية لأهل الشرق، ادركوا أنهم يُساقون إلى محرقة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وأن “الشرفاء” داخل الجيش السوداني باتت أيديهم قصيرة وأصواتهم مخنوقة بسلاح “الإحالة للصالح العام” أو التصفية التي تمارسها عصابة المدنين داخل الاستخبارات المضادة ضد كل من تظهر عليه ملامح الولاء للوطن فوق الولاء للتنظيم. ومع رفض هذه القيادة المختطفة لكل مبادرات الهدنة والتفاوض، تصبح الهزيمة الميدانية الشاملة حقيقة لا خيالاً، تلوح نذرها اليوم بوضوح في سماء كردفان وبقية ولايات السودان الأخرى. إن السودان اليوم لا يحارب عدواً خارجياً فحسب، بل يحارب “سرطاناً أيديولوجياً” نخر في عظم جيشه حتى جعله جسداً بلا رأس، يضحي بجغرافيته وقادته ليبقى النفوذ في يد ثلة أدمنت السلطة ولو على ركام الوطن.