من “عربان الشتات” إلى شتات الجميع .. حين صار وجود السودان مرهوناً “بباقة إنترنت” في ظل استقالة النخبة!
بقلم - نفيسة حجر
من منفاي الاضطراري هنا في يوغندا، عشتُ مؤخراً أياماً من العزلة المطبقة بعد أن انقطعت خدمة الإنترنت تزامناً مع الانتخابات في هذا البلد. في تلك اللحظات، لم أكن أفتقد تلك الخدمة كمجرد وسيلة تواصل، بل كنت أفتقد “وطني” الذي لم يعد مسكناً بالنسبة لي وللملايين غيري إلا في شاشات الهواتف. حينها فقط، أدركتُ بعمقٍ مرير كيف تحولنا جميعاً إلى رهائن لـ “باقة إنترنت”، وكيف تحولت الشخصية السودانية إلى حالة من “الاستلاب الجغرافي”؛ حيث الوطن فضاء افتراضي، بينما الواقع شتاتٌ هو الأعمق في تاريخنا الحديث.
وفي مفارقة تاريخية صارخة، علينا أن نتذكر أنه في بدايات هذه الحرب، أطلق بعض قيادات الحركة الإسلامية لفظ “الشتات” كوصمة سياسية وعرقية بحق مجموعات سودانية اعتبروها حواضن لقوات الدعم السريع، حيث سُمّوا تهكماً بـ “عربان الشتات”، فانتشرت المقولة كالنار في الهشيم وتبنّاها الكثيرون. لكن سخرية الأقدار جعلت من “الشتات” قدراً سودانياً شاملاً لا يستثني أحداً؛ فالمفارقة المؤلمة اليوم هي أن الذين بَشّروا بالشتات لغيرهم، صاروا هم وقواعدهم وخصومهم وكل أبناء الشعب السوداني شركاء في شتاتٍ واحد: شتاتٌ في المنافي، وشتاتٌ في الهوية، وشتاتٌ في وجع الفقد. لقد سقطت الأيديولوجيا في “المحرقة” التي أشعلتها، وأصبح الجميع “سودانيي الشتات” بلا تمييز.
لقد انتقل الثقل السياسي بالكامل إلى الفضاء السيبراني بعد صمت ميادين التغيير على الأرض، وتحولت المعارضة إلى “ظاهرة صوتية” تمارس نشاطها عبر الهاشتاقات، واعتنق الكثيرون “عقيدة المشجع”؛ حيث يُختزل الوطن في انتصار فريقٍ على آخر، وتتحول المأساة الوطنية إلى “محتوى” يتم التفاعل معه “بالإعجاب” أو “التعليق”. وفي غمرة هذا الضجيج الرقمي، حدثت انكفاءة جماعية نحو “الذاتية”؛ حيث غرق الفرد في أشيائه الخاصة وخلاصه الفردي، هرباً من واقعٍ لم يعد يقدم سوى الخيبة والدمار.
هذه الحرب كشفت أيضاً عورة النخبة السياسية والأحزاب التي أصبحت عاجزةً حتى عن تقديم العون لنفسها، فكيف لها أن تقدم مشروعاً لإنقاذ وطن؟ لقد انقطع حبل السرة بين الأحزاب وقواعدها، وباتت تلك الكيانات تتحرك في “غيبوبة تنظيمية” بعيداً عن أنين المشردين والنازحين في معسكراتهم؛ حيث اكتفوا بصالونات المنافي وبياناتٍ لا تتجاوز حدود الشاشات، وعلى الرغم من أنهم يتجولون في الدول التي تضم معسكرات اللاجئين جيئةً وذهاباً، إلا أنهم لا يتفقدونها ولا تلامس معاناتُها واقعَهم المترف.
ولم تكن الحركات الأيديولوجية، وعلى رأسها الحركة الإسلامية، بمنأى عن هذا الانهيار؛ فقد راهنت على الحرب كميدانٍ لاستعادة الذات، لكنها انتهت إلى “محرقة” التهمت ما تبقى من رصيدها الشعبي. لقد انكشف العجز التنظيمي والأخلاقي حين ذابت الشعارات الكبرى في طوابير النزوح والجوع، لتتحول تلك الحركات إلى مجرد صدىً آخر في فراغٍ رقمي بارد، يصارع من أجل البقاء لا من أجل الوطن.
إن الشتات الحقيقي الذي نعيشه اليوم ليس في عبور الحدود الجغرافية، بل في العيش داخل “وطن بلا عنوان”. هو أن تصبح علاقتك ببلدك محكومة بـ “إشارة اتصال”، وأن تجد نفسك منتمياً “لمجموعة واتساب أو فيسبوك” أكثر من انتمائك لترابٍ لم يعد يحميك. لقد أصبحنا سودانيين “على السحابة”، نملك الصور والذكريات، ونفتقد الأرض والقرار.
يبقى السؤال المعلق فوق ركام المدن: هل ما زال هناك طريقٌ للعودة من هذا الشتات الوجداني؟ أم أننا نشهد بالفعل النهاية النفسية لفكرة السودان كما عرفناه؟ نترك الإجابة للأيام.. وللقارئ الذي يسكن اليوم خلف شاشته، يبحث عن وطنٍ ضاع في الزحام.