Fajr Press

السودان، في عصر الشعوب؟!

كتب - الجميل الفاضل

هذه المعركة أكبر اتساعا من أذهاننا ومما نتصور، ان نظام العالم القديم يتمزق حاليا بين أيدينا وتحت أبصارنا.

علي أية حال، عندما تجد نفسك داخل جلباب واسع يتهتك يومياً، ينبغي أن تعرف أين تقف أنت الآن بالضبط، داخل هذا الإطار المتداعي الفضفاض؟.
ففي رحمِ هذا الفراغِ “الغرامشيِّ”، حيث يئنُّ القديمُ بأنفاسٍ متقطّعةٍ، ويتلعثمُ الجديدُ في محاولةِ الولادةِ الأولى، تهبُّ الرياحُ الجنوبيةُ الكونية كأناشيدَ ثورية.
فمنذ أبريل 2023 هنا جرحٌ لا يراد له أن يندملُ، بل أن يتسعُ كلَّ يومٍ.
تتقاتلُ السيوفُ على جسدكَ الممزَّقِ، والجوعُ يعزفُ على أوتارِ أطفالكَ لحنَ الموتِ البطيءِ.
ثلاثونَ مليوناً ينتظرونَ رغيفاً أو قبراً، وثلاثة ملايين تلميذ خارج فصول الدرس.
لكنْ تحتَ الركامِ، في ظلامٍ تُضيئهُ الشموعُ والأملُ الخفيُّ، ثمة قلوبٍ لا تُقهرُ، ولا تنكسرُ.
ترفضٌ أنْ تكونَ أداةً طيعةً في يدِ الآخرين،
وترفضٌ أنْ يُرسمَ مصيرُها في غرفٍ العالم السرية، بأقلامٍ استعماريةٍ جديدةٍ تُزيَّنُ بـ”مساعدات” و”شراكاتٍ استراتيجية”.
ففي شمالِنا القريب، يجري النيلُ شاهداً على وصايةٍ طويلةِ الأمدِ، يأتي بها صوتٌ مصريٌّ قديمٌ، هو صوت شريكٌ استعماريٌّ، كان ضالعا في رسم الخرائط وقسمة الماءِ والموارد منذُ عقودٍ.
يُصدرُ اليوم بياناً رئاسيّاً، يرسمُ به من جديد “خطوطاً حمراء” على أرضِ السودانِ، عنوانها أيضاً “مصر أولا”، خطوط تشترط:
وحدةُ البلادِ، لضمان سلامةُ أراضيها كحديقة خلفية، وبالتالي رفضُ أيِّ كياناتٍ موازيةٍ أو انفصالٍ ينتقص من ريعها المنهوب بالضرورة.
كلُّ ذلك تحت زريعة “الأمن القومي الاستراتيجي” الذي يربطُ مصرَ بجسدِ السودانِ كشريانٍ لا يُقطعُ، وفق رؤية أنانية مفضوحة، لا تختلف كثيرا عن “عقيدة مونرو” الأمريكية.
لكنْ هذا الصوتُ المصري لا يزال ينطقُ في هذا الحاضر المتغير، بذات لغةِ ذلك الماضي الراكدِ، يتمسّكُ بميراثِ اتفاقياتِ 29، و59 من القرن الماضي، تلك الاتفاقيات التي قسّمتْ النيلَ كما قسّمتْ الإمبراطورياتُ الأرضَ.
دونَ أنْ تستوعبَ القاهرة تماماً أنّ العالمَ بدأ يتغيّرُ، وأنّ شعوبَ الأرض كلها باتت اليوم تتململُ، ترفضُ أنْ تبقى رهينةً لخرائطَ مرسومةٍ في لندنَ أو باريس أو القاهرةَ أو سان بطرسبرغ.
بل ربما إن العقل الفرعوني الذي يدار به هذا الأمر، هو ما أشعلَ صدامَ مصر مع إثيوبيا، حيث يقفُ سدُّ النهضةِ كطودٍ شامخ من صخرٍ وإرادةٍ لا تلينُ، يحتضنُ النيلَ الأزرقَ ويُعانقُهُ بحقٍّ أبديٍّ مشروعٍ، غير قابل للمساومة.
حق جعل أديس أبابا تعتبر أن هذا السد رمزا لسيادتها الوطنية، ولإرادة تنميتها الذاتية الحرة.
فقد أعلنت اثيوبيا إمعانا في هذا التحدي، نفض يدها عن أي اتفاقيات استعمارية لم تكن يوماً جزءا منها.
قبل أن يعلن رئيس وزرائها “أبي احمد” أن هذا السد ليس خرسانةً فقط، بل هو حياةٌ تسعي بلاده لأن تستردّها بالكامل.
بينما لا تزال مصرُ تتمسّكُ بحصصِها التاريخيةِ في المياه، الموروثةِ من لدن الإستعمار، لتصطدمُ من جهة أخري مع منظمة دولِ حوضِ النيلِ الجديدةِ، التي تطالبُ بإعادةِ توزيعٍ عادلٍ لهذه المياهِ، لا يُمليها إرثٌ استعماريٌّ قديم، بل توافق جديد يراعي مصالح هذه الشعوب علي قدم سواء.
وفي الساحلِ الشاسعِ يتردّدُ الصدى نفسهُ كرعدٍ بعيدٍ يقتربُ:
مالي، النيجر، بوركينا فاسو، ثلاثةُ دول في حلفٍ ينبضُ بالحياةِ الجديدةِ،
يمزّقونَ أغلالَ الفرنكِ CFA، يطردونَ الجنودَ الفرنسيينَ كأنهم أشباحُ عصرٍ انقضى، “فرنسا اخرجي!” صرخةٌ تتردّدُ في الصحراءِ كوحيٍ سماويٍ مُقدس.
لكنْ في هذا الفراغِ “الغرامشيِّ”،
لا تنامُ الوحوشُ أبداً.
روسيا تضمّ أرضاً بالدباباتِ وتُسمّيها “واقعاً جديداً”،
الصينُ تبني جزراً من العدمِ في بحرٍ يُدعى صينيّاً،
إسرائيلُ تزرعُ مستوطناتٍ كشوكٍ لا يُقلعُ.
واشنطن تختطف رئيس دولة ذات سيادة، وتطلب أرض جزيرة ليست لها، بقوة المال أو قوة السلاح.
إنه عالم سياسةُ الأمرِ الواقع: خذْ ما تريدْ، ثمّ انتظرْ أنْ يعتادَ العالمُ على صورة جرحِك الدامي، لكن هيهات.
فإن تململ شعوبَ الجنوبِ التي كانت نائمةِ على جمرِ التاريخِ ليس دليل ضعف، بل هو نبضُ حياة ترفضُ الخنوعَ إلى الأبدِ.
ففي السودانِ هنا، وسطَ الرمادِ، تُكتبُ بياناتُ الغد تحتَ ضوءِ قمرٍ حزينٍ خيوطه مواثيق ودساتير فارقة تماماً.
وفي الساحلِ الإفريقي يُغنّي الشبابُ بلغةِ الأجدادِ: “نحنُ أسيادُ مصيرنا”.
“سلافوي جيجك”، يهمسُ في أذنِ الزمنِ المتعثّرِ:
“الكارثةُ قد وقعتْ بالفعل، والآنَ علينا أنْ نعيشَ كأنّها واقعةٌ لنوقفها”.
فاستمعْ جيّداً للرياحِ التي تهبُّ من جنوبِ هذا الكوكب الآن:
هي ليستْ عواصفَ فحسب، إنها أناشيدُ استقلالٍ جديدٍ تُولدُ من الصدى والدمِ والأملِ.
فالقديمُ يموتُ ببطءٍ مؤلمٍ، والجديدُ.. ربّما يولدُ من دمِكم، من صبرِكم الجبّارِ، من رفضِكم أنْ تكونوا ظلالاً أو اشباحاً بعدَ اليومِ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.