Fajr Press

حينما يصبح القضاءُ خندقاً ومنصةُ المحكمةِ بندقية.. تظهر الإبادة القضائية للمثقفين

بقلم - نفيسة حجر

​إن ما يشهده السودان اليوم، وتحديداً في ردهات المحاكم الجنائية من دنقلا إلى ود مدني، ليس مجرد انحراف إجرائي عابر، بل هو إعلان صريح عن انتحار العدالة السودانية وسقوط استقلال القضاء في مذابح الولاءات السياسية والعسكرية. لقد تجاوز القضاء مرحلة الضعف ليصل إلى مرحلة التماهي المطلق مع أحد أطراف الحرب، متحولاً من حصن للمدنيين إلى ذراع قضائي للمليشيات المسلحة، فيما يمكن وصفه بـ “الإبادة القضائية للمثقفين والمدنيين”؛ حيث تُستخدم نصوص القانون كمقصلة لاجتثاث كل صوت ينادي بالحياة أو يرفض الانكسار.

​وتتجلى فوضى هذا التماهي في استخدام المواد القانونية كأدوات تصفية سياسية؛ إذ يُحاكم الدكتور أحمد شفا في دنقلا تحت المادتين (62) و(69) من القانون الجنائي بتهم “إثارة التذمر” و”الإخلال بالسلام العام”، في محاولة بائسة لتجريم “الدعوة للسلام” واعتبارها تحريضاً. وفي مشهد سريالي يسقط فيه القناع عن الوجه القبيح للعدالة المسيسة، يعتلي منصة الشهادة ضده “شاهد اتهام” من قادة كتيبة البراء يُدعى “ود الياس”، والذي تحدّث عن “خيانة” الدكتور وتسببه في هزيمة الجيش في “أم صميمة” بسبب دعوته لوقف الحرب وإحلال السلام. ولم تمر أيام على تلك الشهادة حتى صفعت الحقيقة وجه الجميع بخبر القبض على ذات الشاهد متلبساً بتهريب الذخائر؛ وهنا نسأل القضاء السوداني المرتجف: من هو المتعاون الحقيقي؟ هل هو الطبيب الذي تسلح بكلمات السلام، أم هو “شاهدكم” الذي سلّح العدو بالرصاص؟

​ومن جانب آخر، نجد أن حمى هذه الإبادة القضائية امتدت لتطال أركان الفكر والأدب، حيث فجعت الأوساط الحقوقية بالحكم الصادر في ود مدني بالسجن المؤبد على المؤرخ والأديب الدكتور خالد بحيري. إن تجريم صمود الدكتور بحيري في أرضه لمساعدة أهله، واعتبار ذلك “بينة على التعاون”، يمثل قلباً صريحاً للموازين الأخلاقية والقانونية. إن هذا الحكم يرسل رسالة ترهيبية مفادها أن الوفاء للإنسان هو خيانة في نظر قضاءٍ فقد بصيرته الوطنية، وقرر معاقبة العقل السوداني واغتيال رموزه معنوياً. إن وقائع المحاكمات التي تشهد دخول عناصر ملثمة ومسلحة إلى القاعات، واضعين أصابعهم على الزناد أمام ناظري القضاة، تؤكد أن منصة العدالة قد أُهينت ولم تعد تملك من أمرها شيئاً.

​إن قبول القضاء لشهادة مهربين وتجار حرب ضد مثقفين وأطباء، وإصدار أحكام مؤبدة ضد أدباء ومؤرخين، هو سحق كامل للمنطق القانوني واعتراف ضمني بتبعية القضاء لإرادة القوى التي تُدير المشهد خلف الستار. إن هذا الكيل بمكيالين، الذي يجرم الطبيب والمؤرخ ويحمي المهرب والمأجور، يسقط عن القضاء صفة الحياد والنزاهة ويحيله إلى غرفة عمليات عسكرية بزي مدني. إننا نرسل بهذا المقال هزة في وجدان كل قاضٍ لا يزال يحترم قسمه، لنقول إن التاريخ لن يرحم من حوّلوا ميزان العدالة إلى سلاح في معركة سياسية، وإن التماهي مع السلطة هو خيانة للأمانة التي سيسأل عنها القضاء أمام الشعب وأمام المحاكم الدولية؛ تلك التي ستكون البديل الحتمي لمنظومة وطنية فقدت صلاحيتها، وارتضت أن تكون صدىً للبندقية وملاذاً للخونة الحقيقيين الذين يبيعون الرصاص في الخفاء ويدّعون الوطنية في ساحات المحاكم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.