عندما تصرخ جثث نهر عطبرة تستبين مذبحة النيل الكيميائية ليواجه السودان حرب “الأرض المسمومة”!
بقلم - نفيسة حجر
لم يعد الصمت خياراً، بل غدا مشاركةً في جريمة إبادة جماعية تجري فصولها فوق أرضنا وفي جوف مياهنا.
إن ما يشهده السودان اليوم، وتحديداً بعد توثيق مشاهد الموت المروعة لمئات الكائنات التي طفت كالجثث الهامدة على ضفاف نهر عطبرة، هو “زلزال بيئي” مدبر، يتجاوز كونه أثراً جانبياً للحرب ليصبح جريمة حرب مكتملة الأركان وفقاً لميثاق روما الأساسي واتفاقية الأسلحة الكيميائية.
إن نداء الاستغاثة الذي أطلقه الخبير البيئي، البروفيسور عبد الوهاب سيد أحمد، حول ظهور براميل تحتوي على مخلفات أسلحة سامة في مجرى النيل، يضع قيادة الجيش السوداني الحالية، المختطفة من قِبل نظام “الإخوان المسلمين”، أمام مسؤولية جنائية دولية لا تسقط بالتقادم.
حيث تتحول مرافق الدولة العسكرية إلى أدوات لتسميم شريان الحياة الوحيد لملايين البشر في السودان ومصر.
إن هذه المحرقة لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت تنفيذاً لضوء أخضر سياسي وعسكري.
فقد سبقت هذه الكوارث تصريحات علنية وموثقة للفريق ياسر العطا، الذي طالب القائد العام علانيةً بالسماح باستخدام “القوة المميتة” بلا قيود، وهو الطلب الذي وجد ترجمته الفعلية في استخدام الغازات السامة والأسلحة الكيميائية.
إن تحقيقات فريق “مراقبون” في فرانس 24 ومنظمة “هيومن رايتس ووتش” التي كشفت عن حاويات الكلور وسحب الغاز الصفراء في قاعدة “كرري” ومصفاة “الجيلي”، تضع تلك التصريحات في سياق “النية المبيتة” للإبادة. كما أن انفجار مخازن الكيماوي في “بري” مربع (5) وما تلاه من رعب، يثبت أن “القوة المميتة” التي طلبها العطا لم تكن سوى استراتيجية لتحويل المواد الكيميائية الصناعية إلى أسلحة فتاكة تُخزن وسط الأحياء السكنية وتُمطر بها القرى والأسواق من الجو عبر براميل الموت.
إن المزاعم التي يسوقها البرهان دولياً تتهاوى أمام جثث الكائنات التي يلفظها النيل، وأمام اعترافات قادته بطلب “القوة المميتة” التي أحرقت الأرض وسممت الماء. إننا أمام واقع حقوقي يستوجب من الدول الأطراف في اتفاقية الأسلحة الكيميائية دعم تحقيق شفاف تجريه الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) عبر “التفتيش بالتحدي Challenge Inspection” .
إن استخدام مادة الكلور كسلاح يشكل سابقة مقلقة تهدد المعايير الدولية وتحتم ملاحقة العطا والبرهان جنائياً كمجرمي حرب. إن استمرار الجيش في رفض الهدنة وتجييش مليشيات “البراء بن مالك” الإرهابية، يتزامن مع تصعيد “المحرقة الكيميائية” التي تشنها بقايا النظام البائد.
إن وقف القتال والانتزاع الفوري لهذا السلاح هو واجب إنساني عاجل لإنقاذ ما تبقى من السودان؛ فالتاريخ لن يغفر لمن صمتوا بينما كان النيل يُسمم والمواطنون يختنقون، وجثث نهر عطبرة ستبقى شاهدةً على خيانة الأرض والنهر بـ “قوة مميتة” لم تفرق بين جندي، مدني، حيوان ونبات.