مثلث بورتسودان المقلوب: حماية البشير، استجداء الجنائية ضد حميدتي، ومشنقة القضاء الوطني لحمدوك!
بقلم - نفيسة حجر
في مشهدٍ يجسد ذروة الانفصام السياسي والقانوني، أطل علينا وزير العدل السوداني، عبدالله درف، ليوزع صكوك الاتهامات يميناً وشمالاً، شاكياً للمجتمع الدولي “تباطؤ” المحكمة الجنائية الدولية في إصدار أوامر اعتقال بحق قيادات قوات الدعم السريع.
يتباكى درف عبر قناة “العربية” على العدالة الغائبة، زاعماً أن تأخر ملاحقة “حميدتي” هو ما شجع على استمرار الجرائم، في سقطة أخلاقية ومراوغة قانونية مريعة تتجاهل حقيقة أن السلطة التي يمثلها هي ذاتها التي توفر الملاذ الآمن لمطلوبين دوليين وعلى رأسهم “عمر البشير”، الذي صدرت بحقه أوامر توقيف لم تنفذ منذ عشرات السنين! هذا التناقض الصارخ ليس مجرد زلة لسان، بل هو تجسيد لعملية “قولبة العدالة” التي تمارسها حكومة بورتسودان، فهي تسعى لتفصيل القانون الدولي على مقاس خصومها، بينما ترفض تسليم البشير وأعوانه للمحكمة ذاتها. وتكتمل فصول هذه المسرحية بما شهدناه في الأيام الماضية من تحويل “القضاء إلى سلاح” للمواجهة السياسية؛ حيث انعقدت محكمة في بورتسودان لتوجيه اتهامات في قائمة طويلة تجاوزت المائتي شخص، ضمت “حميدتي” والمفارقة أنها شملت أيضاً رئيس الوزراء السابق “عبد الله حمدوك” وقيادات مدنية أخرى، في محاولة بائسة لشرعنة الخصومة السياسية عبر منصات القضاء، وإظهار أن من نادى بالتحول الديمقراطي والمدني يقع في كفة واحدة مع من أشعل فتيل الحرب.
إن حديث وزير الداخلية لشبكة “بي بي سي” عن “خضوع البشير لرقابة الشرطة والسلطات القضائية” هو بيع للوهم واستخفاف بالعقول، فاستخدام مصطلح “الرقابة” الفضفاض بدلاً من “الحبس” الصريح هو اعتراف ضمني بأن البشير وعبد الرحيم محمد حسين ليسوا سجناء، بل هم “ضيوف معززون” في مقار محروسة من قبل فلول النظام المباد، حيث توفر لهم الدولة الحماية، بينما يُترك المواطن الأعزل لمصيره المحتوم.
وإذا كان البشير تحت الرقابة المزعومة، فأين هو أحمد هارون؟ ذلك الرجل الذي يملأ صوته الآفاق محرّضاً، والمتنقل بين الولايات كأنه “قائد ميداني” مفوض، وليس هارباً من العدالة. إن الأنباء التي تؤكد وجود هارون طليقاً بينما تدعي الحكومة سيطرتها على الفارين، تكشف حجم التواطؤ، فكيف تطلبون من العالم الثقة بشرعيتكم وأنتم توفرون الحماية للهاربين والمطلوبين الذين تلاحقهم واشنطن بمكافآت تبلغ ملايين الدولارات؟
إن سجون البلاد التي فُتحت أبوابها في بداية النزاع لم تكن ثغرة أمنية عابرة، بل كانت “بوابة خروج آمنة” تم التخطيط لها بعناية لتمكين كوادر النظام السابق من العودة للمشهد وإدارة خيوط الحرب من خلف الستار. واليوم، تمارس حكومة بورتسودان “المراوغة السياسية” في أبشع صورها وتستخدم القضاء كسلاح لتصفية خصومها، وتناور بملف البشير وهارون كأوراق ضغط، وتنتظر من العالم أن يصدق مسرحية “العدالة المذبوحة” السمجة.
يكفيكم كذباً ومتاجرة بدماء الضحايا، إن العدالة لا تتجزأ، ومن يطالب بالقبض على مجرمي اليوم وهو يتستر على مجرمي الأمس في مخابئه، ويلاحق المدنيين في محاكمه الصورية، لا يملك من العدل إلا اسمه. إن سلطة بورتسودان تبيع الوهم للغرب، وتوفر الملاذ للفلول، وتثبت يوماً بعد يوم أنها ليست سوى الوجه الآخر لنظام الإبادة الذي يعود اليوم ليمارس طقوس انتقامه في وضح النهار.