Fajr Press

الهدنة كأداة ابتزاز .. مشروع الإخوان ضد السلام في السودان.

كتب - منعم سليمان

لا يخشى السودانيون السلام، بل يخشون أولئك الذين صادروا قرار الحرب وحوّلوا الدولة إلى رهينة لمشروع أيديولوجي فاشل.

فكل الزخم الدولي المتصاعد حول هدنة محتملة ومسار سياسي جديد، يصطدم بجدار صلب من عدم الثقة، عنوانه هيمنة تيار الإخوان المسلمين على قيادة الجيش السوداني، ذلك التيار الذي لم يعرف يومًا معنى الالتزام، ولا احترم عهدًا أو اتفاقًا إلا بقدر ما يخدم بقاءه في السلطة.

لقد أثبتت التجربة أن الإخوان، أو ما يُعرفون محليًا بـ “الكيزان”، لا ينظرون إلى التفاوض كوسيلة لإنهاء الصراع، بل كأداة لشراء الوقت، وإعادة التموضع، والانقضاض لاحقًا. وهذه ليست قراءة نظرية، بل خلاصة ثلاثة عقود من الانقلابات، ونقض المواثيق، وإجهاض كل فرصة لانتقال مدني حقيقي.

الأخطر أن هذا المشروع لا يعيش على موارده الذاتية فقط، بل يتغذى على دعم خارجي خفي من دول تمارس ازدواجية فجة في الخطاب والممارسة: تصدح بالسلام أمام المنابر الدولية، بينما هي متورّطة سرًا في دعم الحرب عسكريًا وماليًا وسياسيًا، إطالةً عمر الصراع، وخدمةً أجندات أيديولوجية أو توسعية لا علاقة لها بمصالح الشعب السوداني.

في مواجهة هذا العبث المنظّم، يبرز موقف دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفه موقفًا واضحًا لا لبس فيه، قائمًا على دعم حل سياسي مدني، ووقف نزيف الدم، وتجفيف منابع التطرف. وقد تُرجم هذا الموقف بوضوح في الترحيب الإماراتي بالخطة التي طرحها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، والتي تمثل، حتى الآن، الإطار الأكثر جدية وعقلانية للخروج من المأزق السوداني.

التصريحات الأمريكية الأخيرة حول آلية دولية وهدنة إنسانية قد تُقرأ دبلوماسيًا كاختراق، لكنها في الوعي السوداني لا تزال قيد الاختبار. فالسودانيون يعرفون جيدًا أن المشكلة لم تكن يومًا في غياب المبادرات، بل في الطرف الذي ينقلب عليها متى ما شعر أن السلام يهدد نفوذه أو يقرّبه من المساءلة.

من هنا، فإن أي حديث متفائل عن قرب نهاية الصراع يظل ناقصًا ما لم يُسمِّ المشكلة باسمها: هل تتعامل واشنطن مع مؤسسة عسكرية وطنية قابلة للإصلاح، أم مع قيادة مختطفة من قبل الإخوان، تدير “دولة داخل الدولة”، وترى في استمرار الحرب الضمانة الأخيرة للسلطة والإفلات من العقاب؟

الوقائع الميدانية تجيب بوضوح. فبينما يُسوَّق للخارج خطاب دبلوماسي ناعم، لا يتوقف عبد الفتاح البرهان، المحمّل بأجندة إخوانية صريحة، عن التهديد بخيار الحسم العسكري، في رسالة فظة مفادها أن أي اتفاق ليس سوى ورقة مؤقتة، قابلة للتمزيق متى ما تعارضت مع حسابات المشروع الإخواني.

هذا السلوك ليس زلة لسان ولا محض تكتيك سياسي، بل امتداد لعقيدة سياسية إقصائية ترى في الدولة غنيمة، وفي السلام خطرًا وجوديًا. لذلك، فإن الرهان على حسن نية هذه القيادة ليس سوى تكرار مكلف لأخطاء الماضي.

في المقابل، تقف القوى المدنية السودانية، المعبّرة عن تطلعات الشارع، بموقف أكثر وضوحًا وشجاعة. فهي تدرك أن أي هدنة لا تُربط بانتقال سياسي مدني كامل، وتفكيك بنية التمكين الإخواني داخل المؤسسة العسكرية، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، لن تكون سوى استراحة محارب لإعادة إنتاج الحرب. والسلام الحقيقي، من منظور الشعب السوداني، لا ينفصل عن العدالة، ولا يُبنى فوق الإفلات من العقاب.

الخطة الأمريكية، المدعومة إماراتيًا، تمتلك فرصة حقيقية للنجاح، بشرط أن تتحرر من المجاملات الدبلوماسية، وأن تُترجم إلى ضغوط فعلية تفرض كلفة عالية على المعرقلين. وقف إطلاق النار وحده لا يكفي؛ المطلوب آليات رقابة تحاصر وتعزل الانقلابيين وضمانات تمنع الانقلاب على المسار السياسي.

السودان اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما الانحياز لإرادة شعبه وقواه المدنية، أو ترك البلاد رهينة لتجّار الحروب ودولة الإخوان. وفي هذا السياق، يصبح دعم المسار الأمريكي–الإماراتي الداعم للانتقال المدني ليس خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة أخلاقية.

لقد آن للمجتمع الدولي أن يميّز بوضوح بين من يعمل من أجل السلام، ومن يتقن “التقية السياسية”: يدعم الحرب في الخفاء، ويرفع شعارات السلام في العلن. فالشعب السوداني لم يعد بحاجة إلى بيانات، بل إلى موقف حاسم يُنهي اختطاف دولته، ويعيدها إلى أصحابها الشرعيون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.