لا أعرف رجلاً شغل الناس بغيابه أو بسكوته، وأقام الدنيا بحضوره أو بكلامه، مثل القائد حميدتي، الذي أتاحت لي الأقدار فرصة أن التقيه مرتين في بحر الأسبوعين الأخيرين.
الفرصة الأولى كانت في العاصمة الكينية نيروبي، أما الثانية فكانت أول أمس الجمعة بمدينة عنتيبي، بين زحام لقاء حاشد نظمته على شرف قدومه إلى هنا الجالية السودانية في أوغندا.
إذ أن اقترابي من “دقلو” ينبع في الأصل من اهتمامي بطفرة صعوده “الإتياني” المدهش، كأول رجل استطاع تخطي شروط النخب المركزية المؤهلة للحكم في البلاد، من خلال نجاحه المتحقق في فك أو كسر شفرة الاحتكار الطبقي والنخبوي الحضري للمناصب العليا في الدولة.
كما بالنظر إلى أنه قد قفز بالفعل من أبعد نقطة يمكن تصورها، إلى قلب المركز بل وإلى ذروة سنامه قبل هذه الحرب، منطلقًا كالسهم من أغوار الهامش وأعماق الريف، ليحصد في زمن قياسي نتائج أفضل عملية اغتنام لرياح التغيير، محدثًا على الأرض أضخم اختراق للقطاع الرعوي، الذي يصنف عادة في أدنى سلم البناء التقليدي للمجتمعات.
لكن المدهش أن الرجل أصر في لقاء الجمعة، رغم خمود هذه السردية نسبيًا، على إشعالها من جديد، بقوله:
“ناس كتار هنا بعرفوني إدارات أهلية وأحزاب سياسية وحركات، هسي أنا القدامكم دا، محمد حمدان دقلو حميدتي ولا زول تاني.
ما تضحكوا يا إخوانا وما تصفقوا، الموضوع دا موضوع جد.
يمكن ما أكون أنا، أكون شبيهو، أكون روبوت.
ويمكن يكون عندي بطارية في ضهري، أطلع ليكم القميص دا؟”.
سؤال “حميدتي” المفاجئ ذكرني بأبيات لمحمود درويش تقول:
“هل متُّ من زمنٍ بعيدٍ واختفيت
ولم يصدِّقني أحد؟
ويواصلون البحثَ عن قبري
ليتفق الحليفُ مع العدوِّ على فضاء مشانقِي
ويواصلون البحثَ عن صوتي
لأشهد أنني لا صوت لي”.
رغم أن الأمر بدا وكأنه ضرب من الدعابة، بصوت أقرب للمزاح، إلا أنه للحقيقة فإن غالب رجال ونساء النادي السياسي القديم، كانوا مستريحين بدرجة ما، لخبر موت هذا الرجل الذي أشيع في بواكير المعارك رغم زيفه وكذبه. بل ربما أن بعضهم كان أكثر حرصًا فيما يبدو على موت حميدتي، من حرصه على أن توهب له هو نفسه الحياة.
فقد لقنوا في حملة واسعة كل ببغاء عقله في أذنيه، سيرة موته، يرددها كورد ثابت صباح مساء، وبإلحاح منقطع النظير.
الغريب أن من بين هؤلاء، ساسة كبار ذوي خبرة وتجربة، وسفراء غافلوا الزمن ليصعدوا مراقي السلك الدبلوماسي بلا استحقاق أو جدارة، وطيارين حربين مفتونين بالقوة المادية، نسوا الله فانساهم أنفسهم، وصحفيين، ومذيعين، وناشطين مؤثرين، اكتراهم السلطان بحر ماله لهذا الغرض ولهذه الغاية، ظل بعضهم يلوك رواية موت دقلو بدأب وصبر إلى يومنا هذا، وبلا كلل ودون ملل، لما يقارب ثلاثة سنوات تقريبًا.
يملأون بها الشاشات، ومواقع التواصل الاجتماعي، ومنصات النشر الإلكتروني، يرددون دائمًا ذات سؤال المذيع الشهير “أحمد طه” الأول والثابت أمام كل ضيف حل بشاشة الجزيرة مباشر: هل “حميدتي” مات، أم أنه لا يزال حيًا؟ ومتى كانت آخر مرة رأيته فيها، وكيف كانت هي حالته حين رأيته؟
فيما لا يسأل أحد من هؤلاء نفسه: أفإن مات “حميدتي” هل هو الانتصار ونهاية الحرب، أم أن موته يعني لهم شيئًا أكبر من معنى الانتصار في حرب أو في معركة؟
ثم لماذا هم كانوا قلقين إلى هذا الحد، من مجرد استمرار وجود رجل واحد كحميدتي على قيد الحياة؟
رغم أن هذا الشخص كبشر لا محالة هو في النهاية ميت، اليوم أو غدًا، طال به العمر أو قصر، بمثلما أنهم هم أيضًا ميتون.
المهم أنهم قد صنعوا من هذا الرجل الذي لم التقه طوال حياتي سوى في هذه الأيام، أسطورة وخرافة كبرى، رفعوا بها ذكره إلى شأوٍ بعيد، فهو تارة ليس إلا صورة لرجل من مادة السيليكون أبدعه الذكاء الاصطناعي كي يزور بعض الدول ليسد نقص برامج رؤسائها الفارغين، وتارة أخرى هو قديس يصوم ولا يفطر على مر أيام ما بعد الحرب، يبكي على فواجعها مع كل خبر حزين، كان يتلقاه قبل الانسحاب من الخرطوم، عن طريق القائد المنشق عن الدعم السريع أبو عاقلة كيكل.
إذاً فما هي حقيقة هذا الرجل الغامض الذي رأيته واستمعت إليه مؤخرًا بنيروبي وعنتيبي؟ وما سر هذا الحرص العجيب من عدة جهات داخلية وخارجية، على ضرورة اغتياله حسيًا، وتصفيته جسديًا، لو أنهم وجدوا إلى ذلك سبيلا، أو معنويًا على الأقل بتلطيخ سيرته وشيطنته، أمام أعين العالم، وذاكرة المجتمع والناس، بشتى السبل المتاحة والوسائل الممكنة؟
لكن يبقى السؤال الملح، ما هو هذا السر الدفين والمزعج إلى هذا الحد، الذي يحمله هذا الرجل؟
ونواصل –