Fajr Press

خطاب رئيس المجلس الرئاسي .. الدلالات التاريخية.

كتب - إسماعيل يونس

التقى رئيس المجلس الرئاسي محمد حمدان دقلو، ولأول مرة منذ حرب أبريل 2023م، بالجالية السودانية بدولة أوغندا في العاصمة كمبالا، برفقة نائبه عبد العزيز آدم الحلو، ورئيس مجلس الوزراء محمد حسن التعايشي وأعضاء الحكومة. ولا نريد هنا أن نتوقف عند سرديات الحرب أو الأثر الخارجي الذي تحدث عنه، ولا عند المبادرات التي طُرحت لإيقاف الحرب منذ لحظاتها الأولى، وإنما نرغب في التوقف عند طرحه المتعلق بتأثيره وتأثره بالصراعات السياسية والعسكرية التي واجهته منذ بداياته حين التحق بالمؤسسة العسكرية في نيالا، وإشارته إلى تاريخ بناء المليشيات، وصولاً إلى ما اعتبره حقيقة أن رأس الفساد يتمثل في الرئيس المخلوع عمر البشير.

عادةً ما يقدم محمد حمدان دقلو إفادات تتطابق مع حقائق تاريخية مثبتة حتى في سجلات الأوراق البحثية والدراسات المنهجية التي تناولت صراع السلطة والثروة في السودان والصراعات الأهلية فيه. إن مسألة بناء المليشيات والاستثمار في تناقضات المكونات الاجتماعية ليست طرحاً جديداً في الأدبيات السياسية.

ففي العام 2009م كُتب بحث تكميلي لنيل درجة البكالوريوس من كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، قسم العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، بعنوان «الصراع القبلي في دارفور: الأسباب التاريخية»، مستعيناً بعدد من المراجع في الإدارة العامة والمخطوطات ورسائل الماجستير، من بينها إسهامات البروفيسر الراحل آدم الزين، أحد أبرز أساتذة الإدارة العامة في السودان، ورسالة ماجستير للدكتور زهير محمدي بشار. كان الدافع إلى ذلك فهم حقيقة الصراعات التي أنهكت الشعوب، من منظور منهجي وبحثي، بعيداً عن الخوض العبثي الذي جعل كثيرين يتحولون من باحثين عن حلول إلى جزء أصيل من الأزمات.
خلصت تلك الورقة إلى أن الدولة استثمرت في تناقضات المجتمعات المحلية، مستفيدة من صراعات قديمة وأخرى استحدثها الاستعمار لخلق توازنات تمكّنها من إدارة الحكم. وقد امتلك المسؤولون السياسيون هذه المعرفة ووظفوها سلباً لضمان ديمومة السلطة، خاصة في عهد نظام الإنقاذ.

ومن الحقائق التي تم التوصل إليها أن الدولة كانت تساوم بعض القبائل للمشاركة في الحرب وتجهيز المقاتلين للذهاب إلى جنوب السودان، فاستجاب بعض الزعماء ورفض آخرون، معتبرين أن العسكرة شأن فردي لا قبلي. ومن هنا بدأت ظواهر التدريب غير الرسمي، مثل الدفاع الشعبي، والشرطة الظاعنة، وأدوار أمنية لجهاز أمن النظام كالأمن الشعبي وأمن القبائل، الذي كان يملك تفاصيل دقيقة عن التناقضات داخل المجتمعات.

وقد أشار محمد حمدان دقلو إلى هذا الانخراط المنظم للقوات النظامية في عسكرة المجتمعات بدارفور، شمالاً وغرباً، حيث وفرت تشكيلات مثل الدفاع الشعبي وحرس الحدود السلاح دون ضوابط صارمة، ما أدى إلى انتشاره وظهور أسواق له، ثم تصاعد الجرائم والحروب القبلية.
أكدت بحوث متعددة أن الصراعات القبلية في دارفور تزايدت بصورة غير مسبوقة؛ فعلى سبيل المثال خاضت قبيلة الرزيقات بين عامي 1993 و2005م نحو خمسة وثلاثين صراعاً مع قبائل أخرى وحتى بين بطونها الداخلية. وهو ما يعزز فرضية أن الدولة غذّت هذه الصراعات بصورة ممنهجة، عبر نشر السلاح وبث الشائعات وتوسيع الحوادث الفردية من خلال شبكات مرتبطة بأجهزة أمنية.

ولم يقتصر الأمر على دارفور، بل امتد إلى كردفان وغيرها، ما يجعل العنف في جوهره عنف دولة مُفتعل، لا مجرد عنف قبائل أو أفراد، إذ كانت السلطة تسعى إلى إدامة التناقضات حتى تتكسر أي فرص للوحدة المجتمعية.
نشأ الدعم السريع في سياق هذه التناقضات، إلا أن قيادته بحسب هذا الطرح حاولت أن تتعامل بمهنية وحياد في فض النزاعات القبلية، بخلاف تشكيلات أخرى وُثّق تورطها في صراعات واسعة. فقد تدخلت القوة في عدد من النزاعات لفض الاشتباكات، سواء في غرب دارفور بين المساليت والعرب قبل الحرب، أو في جنوب دارفور بين السلامات والبني هلبة والفلاتة والرزيقات، أو في شرق دارفور بين المعاليا والرزيقات، وهي تدخلات رآها البعض حيادية، رغم ما وُجه إليها من اتهامات.

هذا الدور أكسبها ثقة بعض المجتمعات المحلية، وأدى إلى انضمام أعداد من أبناء القبائل إليها، في وقت توسعت فيه دوائر الصراع الأهلي في مناطق أخرى من البلاد، من القضارف إلى بورتسودان، ومن النيل الأزرق إلى الدمازين، خصوصاً في الفترة التي أعقبت الثورة.كذلك تدخل الدعم السريع لفض هذه الصراعات .. ولكن استمرت زعزعة الامن وتغذية مجموعات ما عرف ب”٩ طويلة” ومجموعات النيقرز، جميعها لها صلات بجهات أمنية تنشطها وقت الحوجة.
يرى هذا الخطاب أن بقايا النظام السابق درجوا على خلق الأزمات ثم الظهور بمظهر المنقذ، وأنهم سعوا إلى إغراق الثورة السلمية في الفوضى، كما سعوا إلى اختراق الحركات المسلحة وإضعافها من الداخل. وفي هذا السياق أشار رئيس المجلس إلى الشفشفة والاختراق، معتبراً أن ما يحدث امتداد لسياسات قديمة هدفت إلى إرباك المشهد وإعادة هندسته بما يخدم مصالح بعينها. ويستشهد البعض بمواقف إعلامية سابقة كبرنامج في الواجهة (للطاهر حسن التوم)حاولت إلباس قائد الدعم السريع ثوب القبيلة ونزع المهنية منه، وهو ما رفضه، باعتبار أن اختزال الصراع في إطار قبلي يخدم أجندات سياسية ضيقة.
في المحصلة، يقدم الخطاب قراءة تاريخية تعتبر أن جذور الأزمة السودانية تكمن في إدارة الدولة للتنوع الاجتماعي عبر أدوات التفكيك لا التماسك، وأن من داخل تلك التجربة خرجت مراجعات ومواقف جديدة. وبين الاتهام والدفاع، تبقى الحقيقة رهينة قراءة شاملة لتاريخ طويل من الصراع على السلطة والثروة، في بلد لم تبرأ جراحه بعد، حيث تردد شعوب الهامش مقولة: أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.