(أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ)
صدق الله العظيم
د. عبد الله علي إبراهيم، لمن لا يعرفه، كاتب نشط في المجال العام، بدأ حياته السياسية باكراً، عضواً في الحزب الشيوعي السوداني، وظل دائماً يتباهى، بصداقته الشخصية المزعومة، مع رئيس اللجنة المركزية للحزب، المرحوم عبد الخالق محجوب. وكان كسائر الشيوعيين، يقف ضد الدكتاتورية، والرجعية، والجماعات الإسلامية المتطرفة. ولكن حاله تدهور، وموقفه تغير، وزلت قدمه، فسقط في مستنقع الإخوان المسلمين، وحكومتهم العسكرية. فأخذ يدافع عن حكومة البشير المخلوع، الذي جاء بانقلاب عسكري في 1989م، ظهر أنه في الحقيقة انقلاب الاخوان المسلمين!! وحتى يزيف عبد الله ذلك الواقع المشين، شارك كمرشح، في انتخابات حكومة العسكر الاخوانية، ليعطي انتخاباتهم المزورة، التي سماها الناس انتخابات “الخج” شرعية زائفة، كانت تفتقدها حكومتهم طوال حكمها. ولقد ظن الكثيرون خطأ، ان د. عبد الله علي إبراهيم، بمشاركته للإخوان في انتخاباتهم المزورة، ليساعد البشير الدكتاتور، الذي قتل مئات الآلف من المواطنين في جنوب السودان، وقتل 250 ألف مواطن في دارفور، وشرد بين النزوح واللجوء حوالي مليونين، وقتل المئات في جبال النوبة، والمئات في النيل الأزرق، وصنع “بيوت الاشباح” لتعذيب المواطنين الشرفاء، ونهب هو واعوانه، أموال الشعب السوداني، بعد أن دمر اقتصاده، كانوا يظنون أن عبد الله قد بلغ بذلك السقوط، قاع بئر خيانة الله والوطن. ولكن عبد الله فاجأهم جميعاً، بتكرار موقفه بصورة أسوأ، فقام بتأييد الانقلاب العسكري الثاني للإخوان المسلمين، الذي قاده البرهان في 25 أكتوبر 2021م. ثم أخذ يزيف الحقائق، ويروج لدعايتهم الكاذبة، عن أن الجيش مؤسسة وطنية، لا علاقة لها بالإخوان المسلمين، وأن الحرب التي شنها في أبريل 2023م، ضد الدعم السريع، هي حرب كرامة، من اجل الوطن، وليست من أجل إعادة الاخوان، تحت بنادق العسكر الى السلطة مرة أخرى. ثم لم يستح د. عبد الله علي إبراهيم، أن يتبنى خط الاخوان المسلمين وجيشهم وكتائبهم، في رفض إيقاف الحرب، والاستمرار في ازهاق الأرواح، فقد ظهر في قناة الجزيرة، ينادي مثل بقية الفلول، بأن الحرب يجب ان تستمر ولا تتوقف مهما بلغ عدد الضحايا!!
في 16 مارس 2026م، كتب د. عبد الله علي إبراهيم، مقالاً بصحيفة التيار، عنوانه (هل سيرضى محمود محمد طه عن صيت تلاميذه الحسن في أوساط الدعم السريع). ولقد جاء المقال كسائر كتابات عبد الله، ملئ بالكذب، والتحامل، وخال من التحليل الموضوعي، لأحداث، مازال شهودها حضور، ومسجلون لها بالصوت والصورة. يقول عبد الله عن حميدتي (وعرج من هنا للإشادة بالحزب الجمهوري الذي قال إنهم اضلوهم عنه وأثنى عليه لاصطفافه معهم في “تأسيس” بينما كانوا هم ضده تحت تأثير الخداع بالشربعة) والحقيقة أن حميدتي لم يقل ان الجمهوريين اصطفوا معهم في “تأسيس”، لأنه يعلم أن ذلك لم يحدث. بل قال ان الجمهوريين لا يريدون منا شيء، ولا نريد منهم شيء، وإنما ذكر ما قال لأنه الحق.
يقول عبد الله (ونصب هؤلاء الجمهوريين من أنفسهم محامين عن قوات الدعم السريع درءاً لما يذاع عن انتهاكاتهم فأمنوا على عاذرته من ان أكثر ما يؤخذ عليهم انما هو مكائد ممن يريد بهم السوء فيرتكب الأثم وينسب نفسه لهم وهم براء). والجمهوريون لم ينصبوا أنفسهم محامين عن قوات الدعم السريع. لكن منهم كانوا ولا زالوا، محامين عن الوطن، ومن دفاعهم عن الوطن، وقيمة أهله، رفضوا انقلاب البرهان، فلما رفضه حميدتي، واعتذر عنه، جاء الى جانبهم، فشكروا له هذا الموقف. والجمهوريون دعوا الى إيقاف الحرب، واحلال السلام، وهاجموا البرهان والاخوان المسلمين، لأنهم رفضوا السلام، وتهربوا من التفاوض، وانكروا اتفاق “المنامة”، الذي وقعوا عليه. ولما قبل حميدتي التفاوض، وسعى الى السلام في كل مكان، أشادوا بموقفه، لأنه اتفق معهم على مصلحة الوطن، التي يمثلها السلام، ولا تمثلها الحرب. ولقد علقنا ولا نزال، على بشاعة جرائم كتائب الاخوان المسلمين في الحرب، وضربهم المواطنين الأبرياء بالطيران، في الأسواق، وفي بيوت المناسبات، وقتل النساء والأطفال. ولم نعذر قوات الدعم السريع، لما حدث من انتهاكات من افرادها، لكننا أشدنا بموقف قيادتها، من الاعتراف بذلك، وقبضها على افرادها المعتدين، والتصريح بمحاكمتهم. الأمر الذي لم يفعل البرهان مثله، رغم الصور التي ملأت الميديا، لأفراد من الجيش، يبقرون بطون النساء، ويقطعون الاسرى بالسواطير، وينبشون القبور، ويلعبون بالجماجم!! السؤال هو: ما هو موقف د. عبد الله علي إبراهيم، من جرائم الجيش، وكتائب ومليشيات الاخوان المسلمين في الحرب؟! لماذا لم يدين بعضها، ولو من باب النصح؟! أما مكائد الاستخبارات، التي يديرها الاخوان المسلمون، وتوزيعها زي الدعم السريع على بعض من يقاتل في صفةفهم، وبعض المساجين الذين أطلقوهم من السجون ليلعبوا هذا الدور، فقد سجلت كاميرات الفيديو ذلك، وقبض على بعض منهم بواسطة الدعم السريع، وسجلت اعترافاتهم بالصوت والصورة. وأكبر مظاهر مثل هذا الكيد، وهذه الخيانة، الدور الذي لعبه “كيكل”. فقد زرعته المخابرات، وسط الدعم السريع. وقاد مجموعة منهم، وارتكب بها فظائع، ضد مواطني الجزيرة، وكانت مهمته، هي تشويه صورة الدعم السريع، ولو كان ذلك على حساب قتل، ونهب، واغتصاب الأبرياء. ولما انتهت المهمة الخبيثة، رجع الى الجيش، واحتفلوا به، ولم يسأل عما فعل بالأبرياء، وكأنهم ليسوا بشر لدمائهم حرمة. فهل قصة “كيكل” ألفها الأخ المرحوم د. الباقر العفيف، أم انه عدم الحياء الذي يجعل الشخص يعرف الحق ويحاول الالتفاف حوله؟!
يقول عبد الله (ولم تكن عداوة “حميدتي” للقراي خلال تأدية واجبه مسؤولاً عن المناهج في الحكومة الانتقالية مما يشفع فيها الاعتذار جزافاً بآخرة) ما هذا التكلف وما هذه اللزوجة؟ هل يرفض عبد الله الاعتذار نيابة عني، وهو موجه لي؟! أما انا فإني اقبله واحترم صدق قائله!! ولأن عبد الله لا يعني ما يقول، بل لا يعرف حتى ما قال، فلا بأس ان نذكره به، فقد قال في نفس هذا المقال (ومن أدب الدين لا قبول الاعتذار من أخيك وحسب بل التماس العذر له ان لم يكن له عذر)!!
يقول عبد الله (دخل القراي على موضوع تغيير المناهج بالقدم الغلط كما يقول الفرنجة فأبدى خلال لقاء تلفزيوني عابر اعتراضه على مقدار حفظ الطالب من القرآن في المنهج الموروث عن دولة الإنقاذ… وانتهز خصوم الحكومة خوض القراي في “المقدس” فحصرته حيث ثقفته ونقول بالقدم الخطأ لأن القراي ورهطه الجمهوري من قر عند طوائف كبيرة من السودانيين أنهم ليسوا من ملة الإسلام بعد نجاح المشيخة الدينية في محاكمة استاذهم محمود محمد طه مرتين بالردة عن الإسلام عام 1968م وعام 1985م وليعدم بعد الأخيرة).. وإذا تجاوزنا تطفيف عبد الله لقضية تغيير مناهج التعليم، وتحريرها من جهالات، وهوس، وتطرف جماعة الاخوان المسلمين الإرهابية، فهل تقليل حفظ القرآن، على طالب السنة الأولى الذي يبلغ ست سنوات، والذي فرض عليه في منهج حكومة الاخوان المسلمين، ان يحفظ ثلاثين سورة، من الخوض في المقدس، أم من احترام المقدس، واتباع توجيهه، حيث يقول عز من قائل (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)؟! ثم ما هي الطوائف الكثيرة في السودان، التي اقرت بأن الجمهوريين ليسوا من ملة الإسلام؟! هل هي فقهاء الحكام، ووعاظ السلاطين، من الاشياخ الذي عاشوا على الدين، ولم يعيشوا له، والذين حركهم تنظيم الاخوان المسلمين، ليقيموا محكمة الردة مرتين، ثم قامت المحكمة العليا عام 1986م بإلغاء حكمهم، واعتبرته باطل في عام 1968م، وباطل في عام 1985م؟! ولماذا لم يعترضوا على هذا الحكم الذي أبطل مكيدتهم؟! بل لماذا لم يعترض عليه د. عبد الله على إبراهيم؟! ثم ما موقف د. عبد الله علي إبراهيم من تغيير منهج حكومة الإنقاذ، بعد ان اسقطها الشعب السوداني بثورة ديسمبر العظيمة؟! فإذا كان يؤيد تغيير المناهج في ذلك الوقت، فلماذا لم يقدم الدعم، الذي لام على عدم تقديمه الآخرين؟! وإذا كان ضد تغيير المناهج، ويعتبره تعدي على المقدس، لأن الجمهوريين ليسوا من ملة الإسلام، فإنه يكون في نفس موقف حميدتي، في ذلك الوقت. وفضيلة حميدتي عليه، أنه أشجع منه، واصدق منه، ولذلك اعترف بأنه كان مخدوعاً بواسطة الاخوان المسلمين، وتحرر من اسر خداعهم، الذي منع الخوف، والطمع، عبد الله أن يتحرر منه، حتى اليوم!!
ويختم د. عبد الله علي إبراهيم مقاله بقوله (لن يرضى استاذ الجمهوريين محمود محمد طه أن يثني عليهم حميدتي الذي ساءت سيرته فإذا اشتكى الجمهوريون من الحكومة الطاغية في الإنقاذ أو ما بعدها وطمعوا في استبدالها بدولة الدعم السريع فأستاذهم من سبق بالقول ان الحكومة الظالمة خير من الفوضى) وما شأن د. عبد الله علي إبراهيم، برضا الأستاذ أو عدم رضاه؟ لقد اشدت بالشيوخ والفقهاء، الذين كفروه، وقلت انهم كانوا رسل حداثة، رغم أنهم كانوا نموذج التخلف. وسعيت ما أستطعت، لتبرئ الاخوان المسلمين، من جريمة اغتياله، وأنت في ذلك كاذب. لقد كان نظام البشير المخلوع، نموذجاً للحكومة الظالمة، أما حكومة البرهان الحالية، فهي نموذج للفوضى. فليس فيها قانون، ولا قضاء، ولا برلمان، ولا دستور، وإنما عصابة تتسلط على المواطنين، وتنهب موارد البلد، ولا تقدم أي خدمات، ولا تصرف حتى للعاملين مرتبات. ثم هي تصدر الذهب والبترول، وتأخذ الأموال لقيادات التنظيم، الذين يستمتعون بها في تركيا ومليزيا وغيرها، هم واولادهم، ويدفعون بالبسطاء الى الحرب، ليموتوا نيابة عنهم، ثم يجدون “مطبلين”، مضلين، يدافعون عن فسادهم، وفوضاهم، واستمرار حربهم، مثل د. عبد الله علي إبراهيم.
19 مارس 2026