Fajr Press

مِن زرائب الزبير إلى حظائر البرهان … كتيبة سوداء.

بقلم - عمار نجم الدين

إن تفكيك بنية الاسترقاق في السودان يكشف عن خريطة دموية شاسعة تمتد من الزرائب الموحشة في أقاصي الجنوب بين أدغال الزاندي وبحيرات بحر الغزال وصولاً إلى “الموردة” الرابضة في قلب أم درمان. هذه الجغرافيا لم تكن يوماً محض صدفة بل كانت هندسة اقتصادية صلبة غرضها جلب البشر وتحويلهم إلى سلع رأسمالية تخدم العرق الحاكم في المركز.
لقد بدأت الحكاية قديماً تحت إشراف “الجلابة” من أمثال الزبير باشا والبلالي وعمورة الذين عملوا بانسجام وظيفي مع المستعمر التركي والإغريق والنمساويين، محولين الجنوب وجبال النوبة والنيل الأزرق إلى مزارع بشرية كبرى. ونصبوا فيها زرائب الصيد الأولى لجمع الأجساد، ولم يقف الأمر عند ذلك الحد بل أكمل الأحفاد العبور بإقامة زرائب جديدة في مناطق أطلقوا عليها اسم “ديم”، ولم يكتفوا بالاسم مجرداً بل سمي “ديم منصور” في النيل الأزرق تيمناً بجد تاجر الرقيق (الزبير باشا رحمة منصور). هناك استُكملت ذات المهمة اللوجستية حيث نصبت المشانق لكل من رفض الدخول في “حظيرة الوكالة” وحُشد الآلاف في زرائب ضيقة تترقب الترحيل القسري نحو الشمال.
لم تكن هذه المآسي التاريخية لتكتمل فصولها لولا وجود “الوكلاء المحليين” الأوائل الذين لعبوا دور الجسر القاتل بين الغابة والزريبة، وهم:
* السلطان غبودوي (Gbudwe): من قبيلة “الزاندي”، الذي سهل عمليات الصيد لصالح المركز.
* السلطان كوي (Koi): من قبيلة “الزاندي” أيضاً، الذي رسخ نموذج الانبطاح الوظيفي أمام تجار الرقيق.
* السلطان بيو (Bii): من قبيلة “الدينكا” (منطقة بيديا)، الذي حول أبناء جلدته إلى خزان بشري يسد جوع المركز للأرواح.
هذه الرحلة الطويلة من العذاب تجلت في أبهى صورها المأساوية عبر “الكتيبة السوداء” التي شُحنت إلى المكسيك عام 1863 حيث بيع الإنسان السوداني كبضاعة عسكرية لنابليون الثالث. كانت تلك الحادثة هي النقطة التي أدت تاريخياً إلى ترسيخ “صيرورة الوكالة” إذ تعلم الوكيل المحلي درسه الأول بأن ثمن بقائه في السلطة هو توريد أهله للموت. واليوم نرى تناسخاً مرعباً لهذه الصيرورة داخل “حظائر البرهان” حيث يتحالف أحفاد تجار الرقيق الجدد كعبد الفتاح البرهان وياسر العطا وعلي كرتي مع وكلاء محليين يمارسون ذات الدور في جلب أبناء الهامش للمحرقة.
في هذا المشهد يبرز جبريل إبراهيم الذي استبدل شعارات العدل والمساواة بسمسرة الدم، ومني أركو مناوي “سنجق الفاشر” الذي يقبض ثمن حصار أهله ليكسب الجلابي معركته الإعلامية الزائفة تحت شعار “الفاشر شنب الأسد”. أما مالك عقار وأحمد العمدة، فقد جسدا الخيانة البنيوية كأحفاد لوكلاء “ديم منصور” القدامى في النيل الأزرق، محولين المنطقة إلى خزان “جهادية” لخدمة قتلة أهلهما. بينما يمثل شمس الدين الكباشي نموذج المجاهد الذي تمت ترقيته ليكون السوط الذي يجلد به بني جلدته، ويكتمل الغطاء الأيديولوجي عبر محمد جلال هاشم الذي يصمم مبررات هذه الصيرورة الاسترقاقية مرتداً عن قيمه بعد أن أكل إله العجوة الذي كان يعبده قبل 15 أبريل، بينما يكتفي مصطفى طمبور بدور الوكيل الصغير.
إن “الموردة” في أم درمان لم تُسمَّ بهذا الاسم تيمناً بالورود، بل لأنها كانت المركز الرئيسي لـ (تجميع وفرز وتوريد) الرقيق لتصديرهم كبضائع حية، لتصبح أكبر سوق للنخاسة الوظيفية في أفريقيا. وطالما بقي اقتصاد الدولة السودانية قائماً على هذا التحالف المشبوه بين أحفاد الزبير وأحفاد بيو وغبودوي، سيظل ابن الهامش مجرد “كتيبة سوداء” مجلوبة للذبح، وتظل الخرطوم محرقة كبرى يبني فيها السادة قصورهم الباذخة من جماجم أولئك الذين حبسوهم في الحظائر.
عمار .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.