(وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ)
صدق الله العظيم
محمد طفل برئ، فقد سنوات من طفولته، بسبب النزوح، فقد نزح من منطقة سنار، مع اسرة خائفة، مطاردة، هربت من قانون “الوجوه الغريبة”، في رحلة طويلة، مضنية، حتى وصلت مع آلاف النازحين، الى مركز الإيواء، بمدينة الضعين، في شرق دارفور. مرض محمد، قبل العيد بأيام، فحملته أمه من مركز الايواء، الى مستشفى الأطفال بالضعين. وظلت ترعاه، وتسهر بقربه، وتنتظر خروجه، ليحتفل مع بقية اخوته بالعيد، في مركز الايواء. ولكنها حين جاءت الى المستشفى، في يوم العيد، وجدته محطماً، بغارة جوية، بمسيرات تركية، أطلقها جيش الاخوان المسلمين. فأخذت تصرخ، وتجري هنا وهناك، وتنادي محمد، علها تسمع صوتاً من بين الأنقاض، ولم تجد محمداً في عنبر الاطفال المحطم، ولكنها وجدت دماء الأطفال، وأسرّتهم المحروقة، وبالقرب من سرير محمد، وجدت أشلاءه مبعثرة هنا وهناك. لم تستطع البكاء من شدة الألم. وجرت لا شعورياً، الى حجرتهم الصغيرة، في مركز الايواء، تحتضن بقية اخوته. وحين دُفن محمد، جاءت أمه، وهي تحمل “لبسة” جديدة، قطعت من قوتها شهوراً، لتوفر ثمنها، وتشتريها لمحمد للعيد، ولدهشة الجميع، وضعت تلك اللبسة الجميلة، البسيطة، على القبر. وشهقة مكتومة في صدرها، تقول ” لتلبسها في حياتك الأخرى التي لن يطالوك فيها”!! ودُفن مع محمد، الأطفال: صفية، وخليل، وحامد، وفاطمة، وزنوبة، وآدم، وحسن، وبكى أهلهم، ومستضيفوهم من أهالي الضعين، في يوم كان سيكون يوم العيد!!
إن ضرب مستشفى الضعين، وقتل المرضى، والنساء، والأطفال، عمل خسيس، وجبان. فجيش الاخوان المسلمين، يعرف مواقع قوات “الدعم السريع”، ولكنه يخشى إذا تعرض لها، أن تقابله مضادات، قد تسقط بعض طائراته، وهو لا يريد ان يخاطر. ولهذا يضرب أبعد الأماكن، عن إمكانية الرد العسكري، مدينة صغيرة، ليس بها وجود عسكري، يضرب فيها المستشفى، ويقتل الأبرياء، دون توقع رد فعل عسكري. ولقد تم قتل 64 مواطناً في مستشفى الضعين، من بينهم رجال، ونساء، وأطفال، وكوادر طبية. وخرجت المستشفى – التي كانت تخدم 3 مليون مواطن منهم 900 ألف نازح و140 ألف مواطن من جنوب السودان – عن الخدمة تماماً.
وبعد جريمة ضرب مستشفى الضعين بيوم، تم ضرب بص، ينقل مواطنين بين قريتي أبو جارة المحطة، وبخيت، بشرق دارفور. وقُتل في تلك الغارة الجوية، التي نفذها جيش الاخوان المسلمين بنفس السلاح التركي، 23 مواطنا، وجرح 3 آخرين. وضرب جيش الاخوان المسلمين للمدنيين، في الأسواق، والمستشفيات، وبيوت المناسبات، الذي تكرر كثيراً خلال هذه الحرب، ليس أمراً عشوائياً، وإنما له اهداف عدة، وجميعها لا تراعي القيم الإنسانية أو القانون الدولي، ومن تلك الأهداف:
1- بدلاً من إيذاء مقاتلي “الدعم السريع” الذين عجزوا عن النيل منهم، يقتلون من يظنون أنهم أهلهم، وذويهم في دارفور وكردفان. وبذلك يؤذوا مقاتلي “الدعم السريع” بصورة غير مباشرة عن طريق إيذاء أهلهم.
2- افساد أي بادرة استقرار، تدل على إمكانية الحياة، بعيداً عن حكومتهم في بورتسودان. حتى يستقر في اذهان الناس، أنهم لن ينعموا بالأمن والاستقرار، بمعزل عن حكومتهم.
3- استنزاف حكومة “تأسيس”، بتحطيم البنية التحتية، والخدمات الأساسية، كلما اصلحتها، وحققت من خلالها منافع للمواطن.
4- إرهاب المواطنين البسطاء، واعلامهم بهذه الضربات، بأن حكومة “تأسيس” لن تستطيع حمايتهم، ولذلك عليهم ان يهاجروا الى حيث سيطرة حكومة بورتسودان. فاذا فعلوا ذلك، ارهقوهم بالجبايات، واضطروهم للاستنفار والتجنيد، ليقاتلوا مع جيش الاخوان المسلمين.
5- استفزاز مقاتلي “الدعم السريع”، وقيادته، ليقوموا بضربات مماثلة للمدنيين، في مناطق سيطرة الجيش، انتقاماً لما لحق بأهلهم في دارفور وكردفان. فإذا فعلوا ذلك، ضخموه بإعلامهم، وطالبوا بناء عليه، باعتبار “الدعم السريع” جماعة إرهابية.
6- الاعتداء على المواطنين العزل، وضرب المستشفيات، ولمّا يحدث الدمار والموت، والمزيد من النزوح، والجوع، وتفشي الأمراض، يطالبون العالم بالإغاثة وبالدواء، وعندما تأتي الإغاثة والأدوية، يقابلونها في بورتسودان، ويبيعونها، لصالح النافذين في تنظيم الاخوان المسلمين، فيزيد ثراءهم باستمرار الحرب، ومعاناة الناس. على ان ضرب المواطنين، العزل، الأبرياء، وقتل الأطفال، جريمة نكراء، لا يبيحها دين، ولا عرف، ولا يقبلها خلق. وهي مخالفة صريحة، واستهتار بالقانون الدولي، والمؤسسات الدولية. ولقد تمت ادانة واسعة، من المجموعات السودانية السياسية، مثل “صمود”، و “تأسيس”، ومختلف الأحزاب السياسية السودانية، ونقابات الأطباء السودانيين بالداخل والخارج، لجيش حكومة البرهان على جريمة الضعين.
ولكن ذلك لا يكفي، لأنه لن يوقف جرائم الاخوان المسلمين. لذلك لابد من خطوات عملية، تبدأ باشراك الاسر المتضررة، وجمع بياناتها، واخذ توكيلها، ورفع قضية باسم مجموعة منهم، للمحكمة الجنائية الدولية. ولابد أن يكون البرهان، هو المتهم الأول، باعتباره قائد الجيش، الذي يفترض انه يتلقى الأوامر منه، فهو لابد أن يكون قد أمر بتنفيذ تلك الجريمة البشعة. ولو أدعى أنه لم يأمر بها، فهو أيضاً مسؤول، عما يفعل اعوانه، حتى لو ذكر انهم لم يخطروه بما أرادوا فعله. وبعد توفير الأدلة للمحكمة الجنائية الدولية، تطالب المحكمة من الشاكين بتوجيه تهمة جرائم الحرب، وجرائم ضد الإنسانية، والابادة والتطهير العرقي، للفريق البرهان ومعاونيه.
ولما كانت كتيبة “البراء بن مالك” مليشيا تابعة لتنظيم الاخوان المسلمين، وقد صنفت من الإدارة الأمريكية كتنظيم إرهابي، وهي ليست مثل قادة التنظيم المدنيين، الذين يشكل الحجز على أموالهم، عقوبة كبيرة، لهم، فإنه يجب ان ترفع ضدها قضايا، مطالبة بتدخل أممي لتجريدها من أسلحتها. لأنها ليس لديها شخصية اعتبارية، وفق القوانين السودانية، وهي الآن تتحدى الموقف الدولي، من تنظيم الاخوان المسلمين، مما يجعل خطرها متعد، يجب حسمه بواسطة الأمم المتحدة، أو الدول التي تتعاون لتنفيذ قراراتها، بإيقاف أي تنظيم إرهابي، يهدد الأمن، والسلام العالمي.
ومهما يكن من خلاف بين المجموعات السودانية فإنها يجب ان تقوم برفع مذكرات هذه القضايا مجتمعة حتى يظهر للعالم ان السودانيين رغم اختلافاتهم السياسية يتفقون حول أهمية وضع حد لهذه الجماعات الإرهابية المجرمة وكف يدها عن اهراق الدم السوداني من أجل مصالحها الضيقة. لقد لعب الاخوان المسلمون طويلاً، على خلافات الأحزاب السياسية، ونجحوا عن طريق ضعاف النفوس فيها، الى تقسيم كل حزب تقريباً، مما أضعفها وأقعدها عن دورها السياسي. وهم الآن فرحون، لوجود قوى سياسية كبيرة مثل “صمود” و “تأسيس” على خلاف، ويودون لو استطاعوا ان يصعّدوا هذا الخلاف، لأبعد مدى ممكن، لأنهم يعلمون أن أي توافق بين القوى المدنية الديمقراطية، سيسرع بها، كبديل للنظام العسكري الإخواني في السودان. على أننا نرى أن الوعي السياسي، والمعرفة بخطورة تنظيم الاخوان المسلمين، تقتضي الارتفاع عن صغار الاحلام، من التعلق بالمناصب أو المواقع السياسية، وضرورة توافق القوى المدنية الديمقراطية، على مشروع السودان، الذي يحتفل بالتنوع، ويحقق السلام والحرية والعدالة. وأول الخطوات التي يجب التوافق عليها، هو رفع قضايا دولية ضد الاخوان المسلمين، وحكومة البرهان، وضد مليشيا “البراء بن مالك” الإرهابية. ثم بعد ذلك، لابد من الحوار حول المواثيق والدستور، الذي بموجبه يتم تحقيق حكومة، قادرة على الاستجابة العملية، لشعارات ثورة ديسمبر العظيمة، ووضعها موضع التنفيذ.
26 مارس 2026م