إنهم الآن، “يخربون بيوتهم بأيديهم”.
يؤكدون صدق ما نطق به الأستاذ محمود محمد طه في نبوءته العابرة للسنوات والفصول: “وسوف يُقتلعون من أرض السودان اقتلاعاً”، محمود لم ينسب فعل هذا “الاقتلاع” لجهةٍ أو جماعة.
لم يقل لأهل السودان “إنكم ستقتلعونهم”، بل بنى الفعل لمجهول، ترك “القالع” غيباً كونياً يتخلق من رحم أفعال المُقتلعين أنفسهم، ليبلغهم غاية انتحارهم الذاتي المروع.
سرُّ “المبني للمجهول”: هو حتمية السقوط.
إذ إن بناء الفعل للمجهول (يُقتلعون) يرفع العملية برمتها من مستوى “الصراع السياسي” المعتاد إلى مستوى “الحتمية التاريخية”.
فالقالعُ هنا ليس لجنة تفكيك، ولا تحالفاً مدنياً، ولا حتى تدخلاً دولياً؛ القالعُ هو “ثقلُ الخطايا” الذي يجعل التربة ترفض هذا الغرس الغريب.
إنه ميكانزمٌ إلهي يعمل بآلية النزع السريعة؛ يصبح “المقتلعُ” هو ذاته الأداة التي تفتت جذوره، برعونة الاقوال والتصريحات، وبتناقض المواقف، ثم بالذهاب للحتف بـ “الظلف” في نهاية المطاف.
بيد أن قوى ديسمبر كانت قد فقدت بوصلتها تماما حين ظنت أنها هي “الفاعل”؛ الذي حاول “تفكيك” النظام عبر قراراتٍ إدارية ناعمة، في وقت كان النظام “يتورم” داخل أحشاء الدولة بنسبة تبلغ 75% تمت ذراعتها في نخاع الجيش والقضاء والنيابة والخدمة المدنية.
عموما فقد كان تفكيك نظام الثلاثين من يونيو محاولةً بشرية لترميم جسدٍ قرر القدر “اجتثاثه” منذ ذلك الحين.
ليبقي التمكين حياً يتحور في غرف الاستخبارات وبين كتائب “الظل” ما ظهر منها وما بطن، حتى بلغت “العتبة السابعة” من النبوءة مداها، لتبدأ عملية الاقتلاع من جديد بـ “فعل المجهول”؛ عبر ليلة سكاكين طويلة ربما يذبح فيها “الإخوة الأعداء” بعضهم بعضا.
فها هي عبقرية “المجهول” تتجلي الآن في مثل هذه التصريحات الرعناء التي تحلق في أجواء هذه الأيام.
حين ينطق “الناجيان” (عبد الله ومصطفى) والعميد طارق كجاب بلسان إيراني مبين، يستعدون العالم علي قومهم.
وبالطبع فهم حينها لا يخدمون قضيتهم، بل ينفذون بايديهم والسنتهم “أمر الاقتلاع” ضد أنفسهم بانفسهم.
إنهم يسجلون “أهدافاً عكسية” في مرمى حارسهم البرهان، ليؤكدوا أن “القالع” قد بدأ عمله بسلبهم “لبابهم” ثم تركهم يتخبطون هكذا في عماهم الاستراتيجي.
وللحقيقة ففي قانون الاقتلاع، “لا ينفع حذرٌ مع قدر”.
البرهان، بتقلباته التي استهلكت رصيد ثقة الداخل والخارج، صمم “مقصلته” بيده.
انظر كيف كان يرتجف في “مقرات” متعلقا بـ “قشة” المعارضة التي أحرق مراكبها هو نفسه بيديه.
عموما فالاقتلاع ليس نزع ملكٍ عابر، بل هو “نفيٌ كلي” من الوجود، يذهب فيه المقدور إلى حتفه بظلفه، وهو يظن أنه يُحسن عاقبة وصنعاً.
لتبرز العتبة السابعة من نبوءة الاستاذ محمود، بالتشديد في قوله: “اقتلاعاً” هذا (المفعول المطلق) الذي يؤكد اليقين الكوني بالخلاص.
خلاص لا يحتاج الشعب لأن يكون هو “القالع” فيه بيده، بل له أن يكون “المحراث” الذي يقلب التربة ويطهرها بعد أن يتكفل القدر بـ “اقتلاع” الغرس الغريب، بنيران صديقة أو بانتحار ذاتي.
المهم فإن هذا الليل ُيبدو قد استوفي ساعاته، وأن القالعُ المجهولُ قد وضع يده بعمق علي الجذور.
وانها “سوف تنتهي بينهم”.. لكن “اقتلاعاً” هذه المرة.