تعقيب على مقال “جرأة التأويل وحدود المشروعية” هل العبرة بالنص.. أم بفهم النص؟!
كتب - د. عمر القراي
(وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) صدق الله العظيم
(وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) صدق الله العظيم
الشكر للأستاذ عبد المنعم عبد القادر، على مقاله الهادئ، الموضوعي، في نقد الفكرة الجمهورية. وقبل أن ادخل في تفاصيل حديثه، أود ان أوضح أن الإشكالية التي تواجه المسلمين، هي كيفية فهم القرآن. فالنبي صلى الله عليه وسلم، لم يفسر القرآن. وكل ما وردنا عن علماء السلف، والمفسرين، هو آراءهم حول مفهوم النص. ثم إن التفسير الذي يعتمد على المعنى اللغوي للكلمة، لا يستوعب كل معاني القرآن، وهذا ما اقتضى في بعض الأحيان التأويل. وحتى يتضح هذا الامر، لنأخذ مثلاً ما أورده الأستاذ عبد المنعم، عن القرآن، حين أشار الى تضاربه، بشأن المحكم والمتشابه.. فقد قال إن هناك ما يدل على ان القرآن كله محكم، وأورد الآية الكريمة (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ). وهناك ما يدل على ان القرآن كله متشابه وأورد الآية الكريمة (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ). وهناك ما يدل على إن بعض القرآن محكم، وبعضه متشابه، وأورد الآية الكريمة (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ). وهذا الأمر، الذي بدا للأستاذ عبد المنعم تناقضاً، أو عدم وجود معيار، على حد تعبيره، كان سيتضح له، كنسق عال من الاتساق، وكمعيار علمي متدرج، لو أنه تفكر في النص قليلاً. فالقرآن حديث من الرب، في عليائه، الى العبد في أرضه. فهو عند الرب، حيث الوحدة المطلقة، كله محكم، لأنه جماع حكمة الحكيم. ولكنه إذا تنزل من لدن الذات، الى مقام الإنسان في كماله، عبر عن الشبه بين الله والانسان!! وبرزت الثنائية في الوجود. في هذا المستوى، يكون كله متشابهاً، بين معنى بعيد عن الرب، ومعنى قريب عند العبد، وبينهما كل الوجود ازواج متشابهة. ثم إذا نزل الى مستوى العامة، وما تعطيه اللغة العربية، انقسمت آياته الى محكمة تعني الشرائع ومتشابهة تشير الى الحكمة منها، وهو مستوى التشاريع وتنظيم المجتمع.
الشكر للأستاذ عبد المنعم عبد القادر، على مقاله الهادئ، الموضوعي، في نقد الفكرة الجمهورية. وقبل أن ادخل في تفاصيل حديثه، أود ان أوضح أن الإشكالية التي تواجه المسلمين، هي كيفية فهم القرآن. فالنبي صلى الله عليه وسلم، لم يفسر القرآن. وكل ما وردنا عن علماء السلف، والمفسرين، هو آراءهم حول مفهوم النص. ثم إن التفسير الذي يعتمد على المعنى اللغوي للكلمة، لا يستوعب كل معاني القرآن، وهذا ما اقتضى في بعض الأحيان التأويل. وحتى يتضح هذا الامر، لنأخذ مثلاً ما أورده الأستاذ عبد المنعم، عن القرآن، حين أشار الى تضاربه، بشأن المحكم والمتشابه.. فقد قال إن هناك ما يدل على ان القرآن كله محكم، وأورد الآية الكريمة (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ). وهناك ما يدل على ان القرآن كله متشابه وأورد الآية الكريمة (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ). وهناك ما يدل على إن بعض القرآن محكم، وبعضه متشابه، وأورد الآية الكريمة (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ). وهذا الأمر، الذي بدا للأستاذ عبد المنعم تناقضاً، أو عدم وجود معيار، على حد تعبيره، كان سيتضح له، كنسق عال من الاتساق، وكمعيار علمي متدرج، لو أنه تفكر في النص قليلاً. فالقرآن حديث من الرب، في عليائه، الى العبد في أرضه. فهو عند الرب، حيث الوحدة المطلقة، كله محكم، لأنه جماع حكمة الحكيم. ولكنه إذا تنزل من لدن الذات، الى مقام الإنسان في كماله، عبر عن الشبه بين الله والانسان!! وبرزت الثنائية في الوجود. في هذا المستوى، يكون كله متشابهاً، بين معنى بعيد عن الرب، ومعنى قريب عند العبد، وبينهما كل الوجود ازواج متشابهة. ثم إذا نزل الى مستوى العامة، وما تعطيه اللغة العربية، انقسمت آياته الى محكمة تعني الشرائع ومتشابهة تشير الى الحكمة منها، وهو مستوى التشاريع وتنظيم المجتمع.
ذكر الكاتب الآيات القرآنية التي تقرر المساواة بين الرجال والنساء، والآيات التي تقرر القوامة وعدم المساواة، وخلص الى تساؤله (هنا يظهر اشكال جوهري إذا كانت آيات المساواة هي “الأصل الحاكم” فمن الذي يقرر ذلك؟ وعلى أي أساس تقدم هذه الآيات على غيرها بينما جميعها واردة في نص واحد) يقصد أنها كلها وردت في القرآن. أول ما يجب تقريره هنا، هو أنه ما دام الآيات تحمل تقارير متعارضة في الحكم، فلا يمكن تطبيق جميع الآيات، في نفس الوقت. بمعنى آخر لا صحة لمقولة، تطبيق الكتاب والسنة. الامر الثاني، نحن مطالبين بتطبيق الأحسن من النصين لقوله تعالى (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ). فهل الأحسن أن نطبق المساواة بين الرجال والنساء، أم نطبق أفضلية الرجال على النساء؟ وحتى نعرف ذلك، نفكر في أن الله يوم القيامة، يحاسب الرجل كما يحاسب المرأة، قال تعالى (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ)، وهو لم يكلفهما بنفس الواجبات، ويحاسبهما عليها، بنفس القدر، ما لم يكونا أمامه متساويين، والا اختل العدل. ثم إذا نظرنا لواقع الحياة، رأينا المرأة قد خرجت، وتعلمت، ونافست الرجل بكفاءة في كافة المجالات، مما يوضح أن فهم حقائق الدين، وواقع العصر، يرجح أن الأحسن اليوم، هو المساواة بين الرجال والنساء. بينما كان الأحسن، في مجتمع القرن السابع الميلادي، حيث كان الرجل يقوم بكل المهام، بما فيها حماية المرأة نفسها، أن يتميز الرجال على النساء. هذا هو الحق، فإذا قدمه لك أي شخص، فمن واجبك ان تقبله أو ترفضه على بينة، لا أن تقول له من أنت حتى تقدم لي هذا الفهم؟
أما عن الإشكالية الثانية فيقول أستاذ عبد المنعم (ان بعض الاحكام كالإرث أو نصاب الشهادة لا يوجد في القرآن نفسه بديل صريح يمكن الانتقال اليه مما يجعل فكرة الانتقال هنا أقرب الى الغاء الحكم دون وجود بديل نص مباشر). الحقيقة أن العبرة ليست بالنص، وإنما بفهم النص، وفهم روح الدين، التي هي تحقيق كرامة الانسان. لهذا فإن آية واحدة مثل آية السيف (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ذكر المفسرون، أنها نسخت أكثر من أربعين آية، من آيات الاسماح، منها حتى آيات الصبر على أذى المشركين. فالميراث لازمة من لوازم النظام الرأسمالي، فتنسخه الآية الداعية للاشتراكية مثل قوله تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)، والعفو ما زاد عن الحاجة. فإذا أنفق كل انسان ما زاد عن حاجته، سوى أن كان ذلك بصورة فردية، أو بالتنظيم الاشتراكي، لن يبق له ما يورثه، ويكون متبعاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة). أما شهادة امرأتين مقابل رجل، فهي صورة من تطبيق عدم المساواة، ويكفي في نسخها، احكام آية المساواة، التي تقدم ذكرها في حديث أستاذ عبد المنعم.
يرى الكاتب ان التعارض الظاهر بين الآيات، هو ما دفع المفسرين، الى القول بمفهوم النسخ. ثم يخلص الى أن يقول (فإن النسخ ليس معطاً نصياً قاطعاً بل محاولة تفسيرية لحل التوتر بين النصوص وعليه فإن أي مشروع حديث – كطرح الأستاذ محمود – يعيد ترتيب الآيات أو يتجاوز بعضها يظل واقعاً تحت نفس الإطار البشري لا متكئاً على نص حاسم). أما الحقيقة، فهي عكس ما قرر الأستاذ عبد المنعم، فإن النسخ قد جاء بنص قاطع، قال تعالى (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)!! وليس في فكر الأستاذ محمود، إعادة ترتيب، أو تجاوز، وإنما هو فهم أعمق لدلالات الآيات، فهل نرفضه لإنه اتى من بشر؟ وهل يتوقع أستاذ عبد المنعم، أن يأتي الفهم المناسب، للواقع الجديد من الملائكة؟ إن حجة رفض الدين، وإطاعة الرسل، لأنهم بشر، حجة قديمة، واجهها القرآن، فقد كان المنكرون من الأمم السابقة يقولون (وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ)!!
يختم الأستاذ عبد المنعم بتساؤلات ذكية، فهو يقول (من يملك حق الحسم؟ هل يملك مفكر – أي كان – أن يعطل العمل بآيات صريحة؟ أو يعتبرها مرحلية دون نص صريح بذلك؟ إذا تعارضت دلالات الآيات فمن يملك حق الترجيح؟ هل نحن أمام تطور لفهم النصوص أم إعادة بناء مفاهيم خارجها؟) كنت أود لأستاذ عبد المنعم ان ينشغل بصحة، أو خطأ، محتوى الفكرة نفسها، بغض النظر عمّن يقدمها، ولكن لا ضير. من الناحية الواقعية، لا أحد يملك أن يمنع أي شخص، أن يقول بأي فكرة، ولا أحد يملك ان يفرضها على أي شخص. فلفلان الحق أن يقول أو يكتب ما يشاء، من أفكار، ولك الحق ان ترفض، أو تقبل ما قال. والأستاذ محمود لم يعطل آيات، ولكنه تدبر في القرآن، وأعانه الله، على أن يفهم أنها مرحلية، وأنها فرعاً وليست أصلاً في الدين. ثم دعم هذا الفهم، بمنطق العقل والبداهة، والواقع المعاش، ونصوص وروح الدين. إن الذي يملك حق الترجيح، هو القادر على احضار الحجة على هذا الترجيح. نحن لا نطور القرآن، ولكننا نتطور في فهمه، لنبني مفاهيمنا التي يقتضيها الواقع الجديد، من داخل فهم النص، في مستوى ارفع من الفهم، لا من خارجه.
ولكن هب أننا ذهبنا مذهب الأستاذ عبد المنعم، ورفضنا تجديد الفهم، بنفس حجته، فهل يريد لنا أن نقبل النصوص التي قالت إن هناك اسياد وعبيد؟ وأن علينا أن نقاتل من لا يقبل الإسلام، فاذا اسرنا الرجال كانوا رقيقاً، وإذا اسرنا النساء كن جواري، نملك منهن ما نشاء، نعاشرهن بغير زواج، ويمكن أن نبيع منهن؟ وأن يكون نظام حكمنا، هو حكم الفرد، الذي لا يمكن أن يتغير حتى يموت، لأنه خليفة المسلمين. خلاصة القول إن تطوير التشريع الإسلامي ضرورة، اقتضاها حكم الوقت، واقتضتها معرفة الحكمة وراء النصوص، ولا مناص منها.
16 أبريل 2026م