Fajr Press

بعض النخبة ذات العقلية المركزية غير صادقة في تناولها لمسألة الوحدة والانفصال من مدخل وحدة الشهادة السودانية ونظام التعليم

كتب - محمد علي مهلة

ان المركزية هي جزء من جذور المشكلات التي ورثناها مع الدولة الاستعمارية، فهي والتركيبة الاجتماعية المشوهة التي خلقتها الفترات الاستعمارية المختلفة، وعمليات تسييس الدين والهويات، والأحادية الثقافية والإقصاء والتمييز العنصري والديني والنوعي عبر السياسات والقوانين والتشريعات، ومشروعية الغلبة والعنف. هذه هي جذور المشكلات التي خلقت الوضعية التاريخية المشوهة، ورسخت عقليات مركزية لا تستطيع التفكير والعمل خارج التصورات والموروث المركزي، سواء في قضايا نظام الحكم وتوزيع السلطات والاختصاصات، والاقتصاد وتوزيع وتخصيص وتقسيم الموارد والثروات، وطبيعة وهوية الدولة، وإدارة التعدد والتنوع.

ولمقاومة هذا الواقع المشوه، ظهرت الثورات العنيفة التي تستهدف بنية وتوجه الدولة المركزية الموروثة من الاستعمار، وهذه الثورات طرحت رؤي وحلول جذرية للأزمة، تتمثل في صياغة عقد اجتماعي جديد قائم على اللامركزية، والعلمانية والديمقراطية التعددية، والإقرار بالتعدد والاختلاف وحسن إدارته، وتأسيس مؤسسة عسكرية جديدة، والشراكة العادلة في بناء وتأسيس وإدارة الدولة.

هذه الأيام، بدأت حكومة السلام الانتقالية في تنظيم امتحانات الشهادة السودانية في 7 يونيو 2026، بعد أن حرمت سلطة بورتسودان ملايين المواطنين من الحقوق الدستورية، بما في ذلك الطلاب في مناطق كردفان ودارفور. ومع هذا الحدث، ظهرت أصوات من النخبة المتمسكة بالعقلية المركزية تبدي مخاوفها من أن هذه الخطوة ستقود إلى الانفصال. وفي تقديري أنها غير صادقة في هذه الدعاوى، وليس لأنها تتخوف من أن يكون هناك نظام تعليمي مختلف يهدد (وحدة السودان)، بل لأنها لأول مرة تتيقن من بروز آليات ووسائل جديدة لن يعود السودان بعدها مُتحكمًا فيه مركزيًا. فهذه النخبة غير صادقة لأنها لم تفكر حتي في وجود واقع تعليمي مختلف تمامًا عن التعليم المركزي في جبال النوبة والنيل الأزرق مستمر لأكثر من 15 عامًا، ويتسم باختلافات جوهرية عن النظام التعليمي المركزي تتمثل في التالي:
▪️منهج التعليم: لقد بدأوا بمنهج تعليم دولة كينيا، وبعدها تحولوا إلى منهج جنوب السودان الذي يُدرس في جميع مراحل التعليم العام، والآن شرعوا في تصميم والبدء في دراسة منهج أساسي خاص بجبال النوبة.
▪️المراحل التعليمية: تعليم قبل مدرسي، أساس ثماني سنوات، وثانوي أربع سنوات.
▪️لغة التعليم: اللغة الإنجليزية.
▪️عدد المدارس بجبال النوبة: 275 روضة، و330 مدرسة أساس، و27 مدرسة ثانوية.
▪️عدد الطلاب والطالبات: 33,011 طالبًا وطالبة في رياض الأطفال، و136,680 طالبًا وطالبة في مرحلة الأساس، و8,140 طالبًا وطالبة في المرحلة الثانوية.
▪️عدد المعلمين: 2,789 معلمًا ومعلمة في مرحلة الأساس، و351 معلمًا ومعلمة في المرحلة الثانوية.
▪️امتحانات الشهادة الثانوية: هي امتحانات الشهادة الثانوية لدولة جنوب السودان.

هذه الإحصاءات فقط لجبال النوبة، وعندما نضيف إليها إحصاءات النيل الأزرق، سنجد أن هناك مئات الآلاف من الطلاب يدرسون منهجًا مختلفًا، ولغة التدريس هي الإنجليزية، والشهادة الثانوية مختلفة تمامًا، واستمروا في هذا النظام. والآن هناك خريجون تخرجوا من جامعات شرق إفريقيا وعادوا ليعملوا في هياكل السلطة المدنية للسودان الجديد بمناطق سيطرة الحركة الشعبية. وفوق كل ذلك، ظل يعمل الرفاق والرفيقات في الحركة لتحقيق مشروع السودان الجديد، ونادوا بالوحدة الطوعية على أسس جديدة وعادلة. وكذلك الآن يعمل الرفاق والرفيقات في تحالف السودان التأسيسي وعبر حكومة السلام الانتقالية لتأسيس وبناء السودان الجديد العلماني اللامركزي، الموحد طوعيًا على أسس جديدة وعادلة، وما يقومون به من بناء النموذج الجديد للدولة والحكومة هي إحدي وسائل التغيير الجذري في بنية وتوجه الدولة السودانية.

لذا إن ما نحتاجه اليوم هو أن تتحرر النخبة ذات العقلية المركزية من تصوراتها القاصرة التي أوردت البلاد موارد الهلاك، وأن تستعد للتفكير والعمل مع الآخرين لبناء نظام حكم لامركزي، وليس من الضروري أن يكون فيه نظام تعليمي واحد. أو أنه سيحتاج إلي مقاربات جديدة لهذا الأمر، وأن نفكك وضعية الوحدة القسرية التي فرضتها الشروط الاستعمارية، ونستبدلها بوحدة طوعية عبر عقد اجتماعي جديد، وأن نفكك حتى مركزية المركز، ونوزع المؤسسات الاتحادية نفسها على الأقاليم، وأن نتوافق على أسس للامركزية أو الفيدرالية المالية وكذلك السياسية والقانونية والإدارية. ونحن لا نرى خيارًا آخر عادلاً غير السير في هذا الدرب.

11 يونيو 2026

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.