في ظل النزاع المستمر في السودان، يظل قطاع التعدين، وخاصة الذهب، أحد المصادر الرئيسة لتمويل الحرب والصراعات، ومع تزايد الفوضى الأمنية والسياسية، أصبحت الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة مركزاً رئيسياً للتلاعب والفساد، وفي غضون الحرب المدمرة التي تشهدها البلاد حالياً برز قطاع التعدين بوصفه أحد أهم مصادر الدخل القومي، وربما آخرها بعد تعطل معظم موارد الدخل القومي، وعلى رأس هذا القطاع تقف الشركة السودانية للموارد المعدنية، باعتبارها الجهة المسؤولة عن تنظيم واستغلال ثروات البلاد المعدنية، وفي مقدمتها الذهب.
يغطي هذا التحقيق الفترة من 15 أبريل 2023 إلى 15 أبريل 2026، وينطلق من فرضية مفادها أن الفساد بأشكاله المالية والإدارية والتعاقدية والميدانية والرقابية تغلغل داخل بنية الشركة، وأسهم في استنزاف موارد الدولة، ويحلل التحقيق بحسب البيانات الرسمية أرقام إنتاج وصادرات الذهب، ويكشف المقارنة بين الإنتاج المعلن والعائدات الفعلية، وكشوفات الإيرادات، ويكشف التحقيق عن ممارسات الفساد، بما في ذلك تهريب الذهب واستخدامه في تمويل الجماعات المسلحة، ويبدو أن هذه الأنشطة ظلت تساهم بشكل مباشر في استمرار العنف وتقويض استقرار الاقتصاد الوطني، ومن خلال هذا التحقيق، نسعى لتسليط الضوء على الأبعاد المظلمة لهذا القطاع، وكشف الآليات التي تسهم في تغذية حرب شاملة تؤثر على حياة الملايين من السودانيين.
الحرب تعزز تهريب الذهب:
ساهمت الحرب الحالية في تعزيز تهريب الذهب، حيث أصبح الوضع الأمني في بعض المناطق غير مستقر، مما أتاح للمهربين فرصًا أكبر للاستفادة من الظروف الراهنة، ومن أبرز الدول التي يُهرب إليها الذهب السوداني بعد الحرب: هي ” الإمارات العربية المتحدة” وتحديداً إلى دبي التي تعتبر مركزًا عالميًا لتجارة الذهب، حيث يتم تصدير كميات ضخمة من الذهب السوداني بشكل غير قانوني عبر شركات وتجار غير رسميين، فيما تعتبر مصر من الدول الرئيسية التي يُهرب إليها الذهب السوداني، خاصة عبر الحدود الطويلة وغير المراقبة جيدًا، وهناك العديد من الطرق التي يستخدمها المهربون لعبور الذهب من السودان إلى مصر، حيث يُباع في أسواق غير رسمية، وتُعتبر تركيا وجهة أخرى للذهب السوداني المهرب، ويتم تهريب الذهب من السودان إلى تركيا عبر شبكات تجارية غير قانونية ويتوجه الذهب إلى أسواق إسطنبول.
فيما تعتبر تشاد من الوجهات الرئيسية للذهب السوداني المهرب. ويتم تهريب الذهب عبر الحدود بين البلدين باستخدام قوافل تجارية أو طرق صحراوية غير رسمية، وتعتبر تشاد نقطة انطلاق للعديد من المهربين الذين ينقلون الذهب إلى دول أخرى في غرب إفريقيا أو إلى أسواق دولية، ويتم التهريب عبر الحدود المشتركة الى جنوب السودان، باعتباره دولة مجاورة ويسهل نقل الذهب بشكل غير قانوني إليه ومنه يتم تهريبه إلى أسواق أخرى، فيما يتم تهريب الذهب السوداني إلى بعض دول غرب إفريقيا مثل “نيجيريا وغانا” فضلاً عن ذلك يتم تهريب كميات كبيرة من الذهب السوداني الى السعودية عبر الطائرات التجارية الصغيرة، وساعد تدهور الوضع الأمني في العديد من المناطق التي يستخرج منها الذهب في تعزيز نشاط التهريب، وبناءً على الظروف الحالية، وبحسب معطيات الواقع فإن تهريب الذهب السوداني سيستمر بشكل كبير، وسيؤثر بشكل سلبي على الاقتصاد الوطني ويزيد من تعقيد المشهد الأمني والاقتصادي في المنطقة.
إنتاج وتهريب الذهب :
ويشكّل الذهب منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 أحد أبرز الموارد التي يعتمد عليها أطراف النزاع في تمويل عملياتهم العسكرية، في ظل انهيار مؤسسات الدولة وتراجع قنوات التصدير الرسمية. ومع تصاعد الطلب العالمي على الذهب نتيجة الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية، برزت بيئة مواتية لإدماج الذهب القادم من مناطق النزاع في الأسواق الدولية، بما في ذلك الذهب السوداني الذي بات يتدفق عبر شبكات تهريب معقدة وعابرة للحدود، وفي سياق متصل بالشركات وإنتاجها للذهب ذكرت بعض التقارير إن الإنتاج الفعلي من الذهب في السودان يقدر بأكثر من 100 طن سنويا، إلا أن أكثر من 60 بالمئة منه يتم تداوله خارج القنوات التسويقية والمصرفية الرسمية، مما يفقد الاقتصاد مليارات الدولارات سنويا، وفي هذا السياق تقول السلطات السودانية إن ما يصل إلى 80 بالمئة من الذهب المنتج في السودان يجري تهريبه، وبحسب فضائية (سي إن إن) فأن حوالي 90% من إنتاج الذهب في السودان يتم تهريبه بما يصل قيمته إلى نحو (13.4) مليار دولار، وأكدت في ذات الوقت انه لايمكن التحقق من هذه الأرقام بشكل مستقل، وقالت الفضائية في تحقيق إستقصائي بثته في وقت سابق إن 16 رحلة جوية روسية على الأقل هربت الذهب من مطار الخرطوم على مدار 18 شهراً.
وبالنظر لعشرات الشركات التي ذكرت في التحقيق فإننا نجدها تعمل في مجال إنتاج الذهب، وربما يكون بعضها متورط في مسألة تهريب الذهب، ولكن مسئولية رقابة هذه الشركات ومعرفة إنتاجها الحقيقي يقع على عاتق الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة والتي يجب عليها أن تواجه الشعب السوداني بالحقيقة المجردة وتكشف له بكل صدق ووضوح وصراحة إنتاج هذه الشركات من الذهب، وبحسب إفادة بعض الخبراء القانونيين فإن غياب مؤسسات الدولة بسبب إنقلاب 25 أكتوبر 2021 وحرب 15 أبريل 2023 والفراغ الدستوري الذي أحدثه الانقلاب والحرب سيدخل السودان في التزامات يصعب التخلص منها، ونبه الخبراء القانونيين إلى إمكانية وجود تلاعب في العقودات في حالة تواطؤ وزارة العدل مع الجهات الأخرى، مؤكدين أن خطورة هذا الامر تتمثل في إدخال السودان في التزامات يصعب التخلص منها وربما تفقده موارد ضخمة.
وزير المالية يعترف بالتهريب:


وكشف وزير المالية السوداني الدكتور جبريل إبراهيم في أوائل مارس 2025 عن حقيقة مفادها أن مسؤولين من دولة مجاورة في إشارة واضحة إلى مصر أبلغوه أن 48 طنًا من الذهب السوداني دخلت بلادهم في عام 2024 وحده. وهذا الرقم يعادل تقريبًا ثلثي الإنتاج الرسمي المعلن للسودان في ذلك العام، وفي السياق تشير بيانات منشورة في تقرير لموقع African Business في سبتمبر إلى أن صادرات الذهب المصرية بلغت نحو 3.2 مليارات دولار في الربع الأول من عام 2025 وحده، منها 1.85 مليار دولار للإمارات في شهري يناير وفبراير فقط بزيادة مذهلة قدرها 2,746% مقارنة بنفس الفترة من العام السابق، ويؤكد الواقع أن مصر لا تمتلك قاعدة إنتاجية واسعة للذهب، ولكنها بسبب الحرب التي يشهدها السودان تحوّلت إلى محطة عبور وإعادة تصدير لجزء معتبر من الذهب السوداني المُهرَّب.
المطالبة بتحقيق شفاف:

وفي 12 – أبريل – 2026 طالبت شعبة مصدري الذهب الحكومة بالتدخل العاجل لإنقاذ صادرات الذهب واستيراد المحروقات، محذرة مما وصفته بـ “العبث” والتجاوزات التي تهدد الاقتصاد، كما دعت إلى إجراء تحقيق شفاف وشامل حول الفجوة بين الإنتاج الفعلي والصادر الرسمي، وتشكو الشعبة من تغوّل جهات على صادرات الذهب، الأمر الذي أسهم في تدهور سعر الصرف وضعف استفادة المواطنين من عائدات المعدن النفيس، في وقت يعتمد فيه السودان بصورة كبيرة على حصيلة صادرات الذهب في استيراد المشتقات النفطية لتغطية احتياجاته المحلية، وفي السياق قال رئيس شعبة مصدري الذهب، عبد المنعم الصديق، في بيان صادر عن الشعبة، إن السودان يمتلك ثروة ذهبية كبيرة كان يفترض أن تسهم في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خاصة في ظل الارتفاع الكبير في الأسعار العالمية للذهب، إلا أن عائداتها – بحسب قوله – لا تنعكس بالشكل المطلوب على خزينة الدولة، ودعا الصديق رئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء إلى التدخل العاجل لإنقاذ قطاع الذهب، مؤكداً أن التجاوزات الحالية تهدد الاقتصاد الوطني بشكل مباشر.

وأوضح عبدالمنعم أن إنتاج البلاد من الذهب يتجاوز 70 طناً سنوياً، بعائدات تقديرية تفوق 6 مليارات دولار، في حين تشير التقارير الرسمية الصادرة عن بنك السودان المركزي إلى أن حجم الصادر لا يتجاوز ملياري دولار، ما يثير تساؤلات حول مصير بقية العائدات، واتهم جهات وصفها بـ “تجار العملة وضعاف النفوس” بالسيطرة على جزء كبير من الإنتاج وتوجيهه لمصالح خاصة، على حساب الاقتصاد الوطني ومعاناة المواطنين، وشدد على ضرورة فتح تحقيق شفاف ومحاسبة كل من يثبت تورطه في إهدار الموارد أو تحقيق مكاسب غير مشروعة، مؤكداً أن الذهب يمثل ثروة قومية يجب أن تسهم في دعم الاقتصاد وتحسين الأوضاع المعيشية، ودعا إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لضبط عمليات التصدير ومنع التهريب، بما يضمن توجيه عائدات الذهب لصالح الدولة خلال هذه المرحلة الحرجة.
وبحسب المتابعات فإن السودان يصدر الذهب بشكل رئيسي إلى الإمارات، إضافة إلى أسواق أخرى تشمل سلطنة عُمان وقطر وتركيا ومصر وعدداً من الدول الأفريقية، وتشير تقديرات فنية إلى أن ما بين 48% و60% من إنتاج الذهب يتم تهريبه عبر قنوات غير رسمية، وكان وزير المالية جبريل إبراهيم قد أعلن في وقت سابق أن إنتاج الذهب خلال العام 2025 بلغ نحو 70 طناً، بينما لم تتجاوز الصادرات الرسمية 20 طناً، فيما أفاد بنك السودان المركزي في موجزه الإحصائي بأن البلاد صدّرت 14.7 طناً من الذهب خلال العام ذاته بعائدات بلغت 1.536 مليار دولار، مشيراً إلى أن الذهب يمثل أكثر من 58% من إجمالي صادرات السودان، وبالنسبة لأبرز التحديات التي تواجه قطاع التعدين، قال مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية محمد طاهر إن تهريب الذهب يمثل إحدى أكبر المشكلات، وأضاف: “وضعنا سياسات وخططاً ستحد من التهريب، وسنقوم في المستقبل القريب بإغلاق فجوة التهريب والمسافة ما بين المنتج والمصدر عبر القنوات الرسمية”.
شبكة التهريب الإقليمية:
وتفيد متابعات فريق التحقيق بأن الذهب المنتج من المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية يُهرّب بشكل رئيسي إلى مصر (60% من الإنتاج في الولاية الشمالية ونهر النيل)، وبدرجة أقل إلى إثيوبيا وإريتريا. أما الذهب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع في دارفور وشمال وجنوب كردفان، فيُهرّب بشكل رئيسي إلى “تشاد، ليبيا، جمهورية أفريقيا الوسطى، وجنوب السودان” وبرز جنوب السودان كمحطة عبور جديدة وخطيرة، وووفقًا لتقرير منظمة SWISSAID في نوفمبر 2025 يُقدَّر أن جنوب السودان يفقد ما لا يقل عن 5 أطنان من الذهب سنوياً في عمليات تهريب عبر أوغندا باتجاه الإمارات، والأهم من ذلك، أن جنوب السودان أصبح مركز عبور للذهب المُهرَّب من السودان نفسه، حيث يدخل الذهب السوداني إلى جنوب السودان ثم يُنقل جواً مباشرة إلى الإمارات.
المحطة النهائية للذهب السوداني:
وتظل الإمارات العربية المتحدة الوجهة النهائية الرئيسية للذهب السوداني، سواء المُصدَّر رسميًا أو المُهرَّب. وتشير البيانات الرسمية إلى أن 90% من الصادرات الرسمية للذهب السوداني تذهب إلى الإمارات. أما وزارة التجارة الإماراتية فقد أعلنت في نوفمبر 2024 أن واردات الذهب من السودان بلغت 1.97 مليار دولار في 2024، تمثل 1.06% من إجمالي 186 مليار دولار من الذهب الذي مرّ عبر الدولة، وفي الوقت الذي تشير فيه تقديرات مستقلة إلى أن الإمارات تستورد ذهبًا من تشاد يفوق بأكثر من الضعف الطاقة الإنتاجية القصوى لتشاد، مما يؤكد أن غالبية هذا الذهب مُهرَّب عبر الحدود من السودان.
ووفقًا لمصادر متعددة، فإن شركة الجنيد للأنشطة المتعددة المملوكة لعائلة “حميدتي” قائد قوات الدعم السريع حققت أرباحًا لا تقل عن مليار دولار سنويًا من تجارة الذهب في زمن الحرب، وفقًا لتقديرات مهندسين سابقين في الشركة، ويبدو إن تهريب الذهب في السودان لم يعد مسألة اقتصادية فنية، بل تحوّل إلى قضية سيادة وسلام بامتياز. فهناك اعتقاد واسع بأن الذهب أصبح المورد الأكبر والأكثر أهمية في تمويل واستمرار الحرب، في ظل غياب الدولة، وانهيار منظومات الرقابة، واتساع نطاق الفساد المرتبط بإدارته، وبينما تُسجَّل هذه الطفرات في دفاتر اقتصادات أخرى، يظل الذهب السوداني شاهدًا على مفارقة قاسية: ثروة تُنتَج داخل البلاد، وتُضاف قيمتها خارجها، وتُستخدم في إدامة حرب تستنزف الدولة والمجتمع معًا.
من الذي ينقذ ذهب السودان من المشتركة؟
وبعد إتفاقية جوبا للسلام نجحت حركات الكفاح المسلح “حركة تحرير السودان بقيادة مناوي وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم وحركة تجمع قوى تحرير السودان بقيادة عبدالله يحي” نجحت في السيطرة على قطاع التعدين بعد منحها وزارات “المالية والمعادن” وإستطاعت من خلال تواجدها في الوزارتين والسيطرة على مفاصل الإدارات المهمة في قطاع المعادن مثل وزارة المعادن والشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة وشركة سودامين والهيئة العامة للأبحاث الجيلوجية، إستطاعات أن تمنح عشرات الشركات التابعة لمنسوبي القوة المشتركة مربعات إمتياز للتعدين وتصاديق لمعالجة “الكرتة” وفي الفترة التي أعقبت إنقلاب 25 أكتوبر وبعدها حرب 15 أبريل إزداد الفساد والنهب من قبل منسوبي القوة المشتركة عبر شركاتهم في قطاع التعدين، ويرى بعض المتابعين إن الفساد في فترة معركة “الكرامة” فاق الفساد والنهب الذي مارسه “الكيزان وكتائب الأمن الشعبي” منذ 2014 حتى سقوط نظام الانقاذ، وإنه فاق فساد اكبر فاسد دخل قطاع التعدين منذ تأسيس الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة وحتى الان، ورغم تصاعد وتيرة الفساد وسط منسوبي المشتركة داخل قطاع التعدين يبرز سؤال مهم وهو: من الذي ينقذ ذهب السودان من منسوبي القوة المشتركة؟
شركات الجيش في قطاع التعدين:
من أبرز الشركات التابعة للجيش السوداني في قطاع التعدين منظومة الصناعات الدفاعية وهي الجهة الرئيسية التي تدير العديد من الشركات الصناعية في السودان، وتشمل الصناعات الدفاعية والصناعات الأخرى مثل التعدين، وتفيد المتابعات إن الجيش السوداني له دور مهم في هذا القطاع من خلال شركات تابعة له، بعضها يدير مناجم الذهب الكبرى، واستغل الجيش سلطته العسكرية والسياسية للتوسع في قطاعات اقتصادية متنوعة، بما في ذلك التعدين، حيث يتم استخراج كميات كبيرة من المعادن في مناطق مثل “نهر النيل، البحر الأحمر، وشمال كردفان” وتحظى شركات الجيش بامتيازات في مجال التعدين، حيث يتعاملون مع مناجم الذهب بشكل مباشر.
وبسبب قلة الشفافية والمراقبة في هذا القطاع. تسيطر بعض الشركات التابعة للجيش على أجزاء كبيرة من أنشطة التعدين، مما يجعل من الصعب التأكد من المعلومات الدقيقة حول عمليات التعدين وحجم الإنتاج، ومن بين الشركات المرتبطة بالجيش السوداني في قطاع التعدين شركة “زادنا” التي تعمل في مجال التعدين واستخراج المعادن، وشركة السودان للتعدين، وشركة نهر النيل، وشركة المقرن، وشركة تعدين الذهب السودانية، وتُعتبر هذه الشركة جزءًا من العمليات التي يديرها الجيش السوداني، وهي تركز على استخراج الذهب في مناطق مختلفة من السودان، فيما تفيد متابعات فريق التحقيق بأن شركة “الصخرة الحمراء للتعدين” التي فرض عليها الاتحاد الأوروبي عقوبات في وقت سابق تتبع لشركة أعمال التعدين المتقدمة التي تتبع بدورها إلى منظومة الصناعات الدفاعية التي تضم بداخلها شركات “حجاجية للتعدين، وأوهاف للتعدين، والصخرة الحمراء”.
عقوبات أمريكية وأوربية:
وبحسب معطيات الواقع بات الذهب يشكّل نحو 70% من صادرات السودان، في حين يُهرَّب الجزء الأكبر منه عبر قنوات غير قانونية. وفي هذا السياق، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على عدد من الشركات الإماراتية، من بينها Al Zumoroud وAl Yaqoot Gold&Jewellers وTardive General Trading، على خلفية ارتباطها بتجارة الذهب السوداني ودورها في تمويل أطراف الصراع، وفي 22 – يناير- 2024 أصدر مجلس الاتحاد الأوروبي، قرارًا بوضع “6” شركات ضمن قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي، وقال الاتحاد في تصريح صحفي إن إخضاع هذه الشركات للتقييد جاء على خلفية دعمها أنشطة تقوض الانتقال والاستقرار السياسي في السودان.
ومن بين الشركات المقيدة شركتي منظومة الصناعات الدفاعية وشركة “سودان ماستر تكنولوجى” اللتان تعملان في تصنيع المعدات الحربية والمركبات للجيش السوداني، وكذلك شملت العقوبات شركة زادنا الدولية للاستثمار المحدودة التي تتبع للجيش السوداني، وأيضًا شملت العقوبات “3” شركات تتبع للدعم السريع وتعمل على توفير الأسلحة وهي شركة الجنيد للأنشطة المتعددة المحدودة، وشركة تراديف للتجارة العامة، وشركة جي اس كيه المحدودة، وبحسب قرار الإتحاد الأوربي فإن هذه الشركات سوف تخضع لتجميد الأصول وحظر توفير الأموال والموارد بشكل مباشر أو غير مباشر.
صفقة منظومة الصناعات وأرياب:

وفي صفقة غير معلنة، كشف مصدر واسع الإطلاع عن حقيقة مفادها إن منظومة الصناعات الدفاعية إشترت (44٪) من أسهم شركة آرياب للتعدين وكشف المصدر إن إدارة شركة آرياب تكتمت على الصفقة بطلب من منظومة الصناعات الدفاعية، وقال المصدر إن وزير المعادن نور الدائم طه توجه إلى الصين مترأسا وفدا من عضوية مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة ومدير الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية ومدير شركة أرياب وممثلين عن منظومة الصناعات الدفاعية في زيارة إلى الصين للتفاوض حول شراكة معها في مربعي 11و 12 في منطقة أرياب للتنقيب عن النحاس مساحة المربعيين 43 ألف كيلو متر مربع، وتفيد متابعات فريق التحقيق إن شركة أرياب تمتلك مخلفات تعدين تقدر ب(12) مليون طن ومربعات تعدين في ولاية البحر الأحمر وولاية كسلا وتمتلك حكومة السودان (100%) من الشركة، وأدرجت الخزانة الأمريكية منظومة الصناعات الدفاعية ضمن قائمة الشركات المحظورة كما أدرجت مدير المنظومة الفريق ميرغني إدريس ضمن الشخصيات المحظورة بسبب دعم الحرب في السودان.
الدعم السريـع في قفص الإتهام:
وكشف تقرير حديث لمركز الدراسات البيئية والاجتماعية عن استمرار ظهور الذهب السوداني المرتبط بالنزاع في سلاسل التوريد العالمية، وتحديداً في تقارير شركة “فولكسفاغن” لعام 2024. وأوضح التقرير الميداني أن قوات الدعم السريع استولت على مصفاة السودان للذهب في مايو 2023 ، ونهبت نحو 2.7 طن من الذهب قبل تدميرها بالكامل، ودعا التقرير كافة الشركات والمؤسسات المالية الدولية إلى التعليق الفوري لتداول الذهب السوداني المرتبط بتمويل الحرب، مطالباً بتعزيز أنظمة الشفافية والمساءلة، واشار التقرير إلى أن حالة شركة “فولكسفاغن” تظهر كنموذج كاشف لأوجه القصور في أنظمة تتبع سلاسل التوريد العالمية، خاصة فيما يتعلق بالمعادن القادمة من مناطق النزاع. فقد استمرت مصفاة السودان للذهب في الظهور ضمن تقارير سلاسل التوريد الخاصة بالشركة لعام 2024، رغم أن المصفاة كانت قد خرجت عن الخدمة بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها في مايو 2023، وما أعقب ذلك من عمليات نهب وتدمير واسع للبنية التحتية.
وتشير الوقائع إلى أن سيطرة قوات الدعم السريع على المصفاة مثلت نقطة تحول في توظيف الموارد الطبيعية لتمويل الحرب، حيث استولت القوات على كميات كبيرة من الذهب والفضة تقدر قيمتها بأكثر من 150 مليون دولار. وقد وثّقت هذه الحادثة رسميًا، مما يعزز فرضية أن جزءًا من الذهب الذي يظهر لاحقًا في سلاسل التوريد الدولية قد يكون مرتبطًا بهذه العمليات، وذكر التقرير أن صور الأقمار الصناعية دعمت هذه الاستنتاجات، حيث أظهرت تحليلات زمنية للموقع بين عامي 2023 و2025 تدميرًا تدريجيًا للبنية التحتية للمصفاة، وصولًا إلى توقف كامل للنشاط الصناعي. وبذلك، فإن استمرار ظهور الذهب المرتبط بهذا المعرّف في تقارير الشركات يطرح احتمالين: إما وجود خلل في أنظمة التتبع، أو إعادة إدماج الذهب المنهوب عبر قنوات غير رسمية.
الجيش ينهب ذهب البنك المركزي:

وفي تصريحات مثيرة أدلى بها قائد قوات الدعم السريع، الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، كشف الرجل عن قيام الجيش السوداني بنهب 7.6 طن من الذهب من بنك السودان المركزي – فرع القيادة العامة. وجاء هذا التصريح خلال تنوير صحفي لعدد محدود من الصحفيين السودانيين في العاصمة الكينية نيروبي في نوفمبر 2026، وأشار “حميدتي” إلى أن هذه الحادثة تأتي في إطار التصعيد الأمني والاقتصادي الذي شهده السودان في بداية الحرب، واعتبر أن هذا النهب يعد جزءاً من سلسلة الأحداث التي تشهدها البلاد في ظل التوترات العسكرية المتزايدة، متهما الجيش السوداني بنهب ثروات البلاد عبر شركاته المنضوية تحت منظومة الصناعات الدفاعية.
سلطة بورتسودان وشبكة المصالح:
وفي ظل غياب الدولة، برزت سلطة الأمر الواقع في مدينة بورتسودان كجهة تدير ملف الذهب دون شفافية أو مساءلة فعّالة. ويُعتقد على نطاق واسع أن الفساد المرتبط بإدارة الذهب، ومنح الامتيازات، وغضّ الطرف عن التهريب، أصبح جزءًا بنيويًا من اقتصاد الحرب، وبدل أن يُستخدم الذهب لتخفيف الانهيار المالي أو دعم الاستقرار، جرى توظيفه بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تعزيز شبكات المصالح المرتبطة باستمرار الصراع، ولتحقيق مبدأ المهنية تواصل فريق التحقيق مع جميع الجهات التي لها علاقة بهذا التحقيق وهي “وزارة المعادن والشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة والهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية، وإدارة شركة الجنيد للأنشطة المتعددة والناطق الرسمي بإسم القوات المسلحة والناطق الرسمي بإسم قوات الدعم السريع” ولكن جميع هذه الجهات تحفظت ورفضت الرد على أسئلة التحقيق والإتهامات التي تلاحق تلك الجهات.
ومن خلال الأرقام والبيانات التي إستعرضها التحقيق يمكن أن نصل إلى صورة شبه كاملة لاقتصاد حرب يُموَّل بالكامل من الذهب. فالتعدين التقليدي الذي ساهم بـ58.376 طنًا في 2025 هو بطبيعته الأكثر عُرضة للتهريب، إذ يفتقر إلى الرقابة ويعمل في مناطق نائية يصعب الوصول إليها، والمفارقة الأكبر أن هذا الإنتاج القياسي الأعلى في خمس سنوات تحقق في ظل حرب مدمرة. هذا يعني أن الحرب لم تُعطِّل الإنتاج، بل أطلقته من أي قيد رقابي، وحوّلته إلى نشاط مفتوح تستفيد منه جميع أطراف الصراع وشبكات التهريب الإقليمية، بينما تخسر الدولة والمجتمع السوداني كل شيء، فيما يؤكد الواقع أن الذهب السوداني تحول إلى وقود اقتصادي مباشر لاستمرار الحرب، ومصدر ربح لشبكات محلية وإقليمية تستفيد من غياب الدولة، وتجد في الفوضى بيئة مثالية لتراكم الثروة والنفوذ، ولا يقتصر اقتصاد الذهب المرتبط بالحرب في السودان على المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية وحدها، بل يمتد كذلك إلى مناطق تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع، خصوصًا في إقليم دارفور وكردفان ومناطق التعدين التقليدي المرتبطة به. وفي ظل الغياب شبه الكامل للدولة، وانعدام أي منظومة توثيق أو رقابة أو شفافية، لا تتوافر بيانات دقيقة حول حجم الإنتاج أو الصادر من هذه المناطق.