Fajr Press

حوار مع رشا عوض هل فشل السودان الجديد أم انتصر الانفصاليون

بقلم - عمار نجم الدين

منذ عام 2011 ظل سؤال السودان الجديد يتردد داخل المجال السياسي والثقافي السوداني بطريقة تختزل تاريخاً كاملاً في جملة واحدة (( لقد فشل مشروع السودان الجديد )) . ومع مرور السنوات، تحولت هذه العبارة عند بعض المثقفين إلى يقين جاهز، رغم أن جزءاً كبيراً من الأزمة السودانية ناتج أصلاً من تحويل الاستنتاجات السياسية إلى حقائق نهائية دون تفكيك طبقاتها التاريخية والمعرفية.
ولهذا كان النقاش الأخير بيني وبين الصديقة القديمة والزميلة الأستاذة رشا عوض مهماً بالنسبة لي؛ لأنه أعاد فتح سؤال ظل معلقاً منذ استشهاد الدكتور جون قرنق: هل الذي سقط فعلاً هو مشروع السودان الجديد، أم أن المشروع نفسه جرى التخلي عنه من داخل الحركة الشعبية بعد غياب صاحبه؟
وربما هنا يجب التفريق منذ البداية بين الدولة و الرؤية الأيديولوجية . فالدول ليست تجسيداً ميكانيكياً للأفكار، بل هي غالباً نتيجة صراعات وتحولات وتوازنات داخل النخب الحاملة للمشروع نفسه. ولهذا فإن التعامل مع دولة جنوب السودان الحالية باعتبارها التعبير النهائي عن مشروع السودان الجديد ينطوي على ما يمكن تسميته
بـ “الاختزال التجريبي”؛ أي اختزال فكرة تاريخية كاملة في النتيجة السياسية التي آلت إليها إحدى تجاربها بعد تحوّل الحامل التاريخي للمشروع من التيار الوحدوي الطوعي إلى التيار الانفصالي الجنوبي داخل الحركة الشعبي مشروع . انفصال جنوبي أصلاً، بل كان مشروعاً وحدوياً جذرياً لإعادة تأسيس السودان نفسه على فكرة نقل المدينة إلى الريف، وعلى التعدد في ظل الوحدة، وعلى العدالة الاجتماعية ودولة المواطنة الحقيقية، وبناء وحدة جاذبة تجعل الناس يشعرون أنهم شركاء في الدولة لا مجرد ملحقين بها.
لكن ما حدث بعد استشهاد جون قرنق لم يكن مجرد انتقال إداري داخل الحركة الشعبية، بل كان تحولاً عميقاً في البنية الفكرية والسياسية للحركة نفسها؛ تحولاً من مشروع تحرري لإعادة تعريف السودان إلى سلطة ما بعد التحرر التي تبحث عن تثبيت الدولة الجديدة أكثر من إعادة بناء المجال السوداني كله.
وهنا يصبح من الضروري تسمية الاصطفافات التاريخية كما هي ف بونا ملوال، الذي يمكن اعتباره أحد أبرز منظري ( الانكماش القومي الجنوبي ) . كان يرى الخلاص في بناء دولة جنوبية منفصلة لا في إعادة تعريف السودان. كما أن سلفاكير ورياك مشار ولام أكول كانوا أقرب، بدرجات متفاوتة، إلى هذا التصور الذي تعامل مع الجنوب باعتباره مشروع استقلال سياسي أكثر من كونه مدخلاً لإعادة تأسيس السودان نفسه.
ولهذا فإن الصراع الذي انفجر داخل الحركة الشعبية بعد رحيل قرنق لم يكن مجرد صراع سلطة أو تنافس أفراد، بل كان صراعاً بين رؤيتين متناقضتين رؤية السودان الجديد بوصفه مشروعاً لإعادة تأسيس السودان، ورؤية أخرى يمكن وصفها بـ (الانفصال بوصفه انكماشاً للخيال الوحدوي ) أي تحويل التحرر من مشروع لإعادة بناء السودان إلى مشروع للانكفاء داخل حدود دولة جديدة. ومن هنا تم تهميش ما أطلق عليه الانفصاليون الشماليون بـ “أولاد قرنق”؛ أي التيار الذي ظل أكثر ارتباطاً بخيال السودان الجديد وبفكرة الوحدة الجاذبة.
الأستاذة رشا نفسها، بحكم قربها من تلك المرحلة وعملها في صحيفة “أجراس الحرية”، تعرف أن الإجابة معقدة لكنها واضحة في الوقت نفسه فالحركة الشعبية بعد استشهاد جون قرنق لم تعد تتحرك سياسياً باعتبارها حاملة لمشروع السودان الجديد، بقدر ما أصبحت تتحرك كإدارة سياسية لمسار مختلف كان محل خلاف داخل الحركة والجيش الشعبي منذ سنوات طويلة.
ولهذا فإن استخدام ما جرى لاحقاً كدليل نهائي ضد مشروع السودان الجديد يقع أحياناً في مغالطة معرفية أخرى يمكن تسميتها بـ ( مصادرة الفكرة عبر ورثتها ) أي إدانة المشروع بسبب التحولات التي أصابت النخبة التي آلت إليها السلطة بعد غياب مؤسسه. بل إن المفارقة الأعمق أن الانفصاليين الجنوبيين والانفصاليين الشماليين التقوا موضوعياً و تقاطعت مصالحهم رغم العداء الظاهر بينهم ، كلاهما لم يكن يريد إعادة تعريف السودان.
فالتيار الانفصالي الجنوبي كان يريد الخروج من السودان، والتيار المركزي الشمالي كان يريد الاحتفاظ بالسودان القديم دون إعادة هيكلته. ولهذا تحولت اتفاقية السلام الشامل، التي قامت نظرياً على فكرة الوحدة الجاذبة، إلى إدارة سياسية لعبور هادئ نحو الانفصال أكثر من كونها مشروعاً لإنتاج خيال وطني جديد.
بل يمكن القول إن ما حدث بعد رحيل جون قرنق كان بداية تشكل ما يمكن تسميته بـ 🔴(التمركز ما بعد الهامشي حيث أعادت بعض نخب الهامش إنتاج آليات المركز داخل فضاء سياسي جديد دون إعادة بناء الفكرة التأسيسية للسودان الجديد نفسه.
ولهذا يبقى السؤال الذي يطارد الوعي السوداني منذ سنوات
( هل فشل السودان الجديد فعلاً، أم أن السودان الجديد لم يُمنح أصلاً الفرصة التاريخية الكاملة لكي يُختبر بعد غياب صاحبه و استبعاد مناصريه ؟ )
وربما هنا تكمن المأساة الحقيقية ،
ليس في سقوط المشروع فقط، بل في أن الدولة القديمة أيضاً لم تعد قادرة على الحياة بالصورة نفسها. وهكذا ظل السودان معلقاً بين مركز يحتضر، ومشروع جديد جرى التخلي عنه قبل أن يكتمل اختباره التاريخي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.