Fajr Press

حين تتحول المأساة إلى فرصة وطنية: أتيم سايمون بيبور ونموذج استقطاب العقول السودانية إلى جنوب السودان.

بقلم - أدم مكرم

في كل الحروب، لا تخسر الأوطان مدنها فقط، بل تخسر أيضًا عقولها وخبراتها وكوادرها المؤهلة التي تشكل العمود الفقري لأي مشروع نهضوي. وما جرى في السودان عقب حرب الخامس عشر من أبريل لم يكن استثناءً، بل بدا وكأنه فصل جديد من مسلسل النزيف التاريخي للكفاءات السودانية نحو المنافي.

فمنذ سنوات حكم الإنقاذ، ومع تضييق الخناق على الكفاءات الوطنية وأصحاب الرأي والخبرة، بدأت موجات الهجرة الكبرى نحو الخليج وأوروبا وأمريكا. هناك، لم يكن السودانيون مجرد لاجئين اقتصاديين أو باحثين عن النجاة، بل تحولوا إلى طاقات منتجة أسهمت في تطوير المؤسسات الصحية والتعليمية والإعلامية والهندسية في البلدان التي احتضنتهم.

ثم جاءت حرب أبريل، لتعيد إنتاج المأساة بصورة أكثر قسوة. آلاف الأطباء والأكاديميين والمهندسين والإعلاميين اضطروا إلى مغادرة البلاد تحت وقع الرصاص وانهيار مؤسسات الدولة، حاملين معهم سنوات من الخبرة والتأهيل، تاركين وطنًا أنهكته الحرب والانقسام.

لكن وسط هذا المشهد القاتم، برزت نماذج مضيئة أدركت أن الأزمات الكبرى يمكن أن تتحول إلى فرص لبناء الدولة وتعزيز مؤسساتها. ومن بين هذه النماذج يبرز اسم الصحفي الجنوبي الأستاذ أتيم سايمون بيبور، الذي لم يتعامل مع الكارثة السودانية بوصفها حدثًا عابرًا، بل قرأها بعين رجل الدولة الحريص على مستقبل بلاده.

لم يكن أتيم سايمون مجرد صحفي أو ناشط إعلامي، بل لعب دورًا عمليًا وفاعلًا في استقطاب الكوادر السودانية المؤهلة للعمل في جنوب السودان، خاصة في القطاع الصحي. فقد ساهم في تسهيل فرص العمل وربط المؤسسات الطبية في جوبا بعدد من الأخصائيين والاستشاريين السودانيين، الذين وجدوا في جنوب السودان مساحة للعمل والاستقرار بعد أن لفظتهم الحرب من وطنهم.

وخلال فترة قصيرة، شهدت مستشفيات جوبا حضورًا لافتًا لكفاءات طبية سودانية ذات خبرات عالية، الأمر الذي انعكس بصورة إيجابية على مستوى الخدمات الصحية، وسد فجوات حقيقية كانت تعاني منها المؤسسات الطبية هناك. لقد فهم الرجل أن بناء الدول لا يتم بالشعارات وحدها، بل باستقطاب العقول والخبرات ومنحها البيئة المناسبة للإنتاج والعطاء.

المفارقة المؤلمة أن حكومات المنطقة كثيرًا ما تشعل الحروب والصراعات، فتدفع بخيرة أبنائها إلى المنافي، بينما تستفيد دول أخرى من تلك الطاقات في تعزيز مؤسساتها وبناء اقتصادها وخدماتها العامة. فالحرب لا تهجّر الناس فقط، بل تهجّر المعرفة والخبرة والأمل.

إن تجربة جنوب السودان، ولو بصورة جزئية، تقدم درسًا مهمًا في كيفية تحويل موجات اللجوء والنزوح إلى فرص تنموية، عبر استيعاب الكفاءات وتوظيفها في خدمة المجتمع والدولة. وهي في الوقت نفسه تكشف حجم الخسارة التي يتكبدها السودان كلما أُغلقت مساحات السلام والاستقرار أمام شبابه وخبرائه وأساتذة جامعاته.

فلك خالص التقدير والود الأستاذ أتيم سايمون بيبور، لأنك قدمت نموذجًا مختلفًا في زمن تتكاثر فيه الخسارات، نموذجًا يرى في الإنسان قيمة، وفي العلم ثروة، وفي الكفاءة الوطنية ركيزة لبناء الأوطان.

كمبالا – ٧ – مايو – ٢٠٢٦ م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.