الإِبَادَةُ الجَمَاعِيَّةُ الصَّامِتَةُ: «أُمُّ كَعْوَك» عَرَبُ الشَّتَاتِ / أَوْلَادُ الضَّيْفِ نَمُوذَجًا
كتب - الدكتور خالد عبيد
«إذا قتلتَ صرصورًا فأنت بطل، وإذا قتلتَ فراشةً فأنت شرير. للأخلاق معايير جمالية. بهذا الوعي يهتك نيتشه الحصيف قداسة الأخلاق، ويكشف هشاشتها الجمالية. فالفعل لا يُدان ولا يُمجَّد لجوهره، بل لصورة ضحيته في أعيننا. الفراشة تُصان لأنها رقيقة، لا لأنها أحق بالحياة، والصرصور يُسحق لأنه دميم، لا لأنه شرير. هكذا تنقلب الأخلاق إلى مرآة للهوى، ويصبح الضمير تابعًا للذوق لا للعدل. وهنا تبرز أصول الفكر في «جينالوجيا الأخلاق»، حيث ينسف نيتشه بالمطرقة أوهام الأخلاق الثابتة.»
خلال الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، لم يكن العنف وليد المواجهات الميدانية وحدها، بل سبقته ومهّدت له حملات إعلامية وتحريضية لعبت دورًا محوريًا في تعبئة المنفذين وتأجيج الكراهية. فقد اعتمدت بعض وسائل الإعلام، ولا سيما الإذاعات، على خطاب يقوم على نزع الصفة الإنسانية عن الضحايا وتبرير استهدافهم، إذ أُطلقت على التوتسي أوصاف مثل «الصراصير» (Inyenzi / Cockroaches) بهدف تصويرهم ككيان يجب التخلص منه، فيما استُخدمت عبارات ذات دلالات تحريضية مثل «اقطعوا الأشجار الطويلة» للدعوة إلى استهدافهم وقتلهم. كما بُثّت رسائل من قبيل «ابحثوا عن الصراصير» و«تأكدوا من العثور عليهم» لتشجيع ملاحقة الضحايا، إلى جانب عبارات أكثر مباشرة مثل «أبيدوا الصراصير» أو «اقضوا على الصراصير» التي حملت دعوات صريحة للعنف والإبادة. وبالتوازي مع ذلك، جرى تصوير التوتسي بصورة متكررة على أنهم «أعداء» أو «خطر داخلي» يهدد المجتمع والدولة، في محاولة لإضفاء مبررات سياسية وأمنية على أعمال العنف، وهو ما أسهم في تهيئة البيئة النفسية والاجتماعية التي سبقت واحدة من أكثر الجرائم الجماعية دموية في التاريخ الحديث
لقد تواطأ عقل نخب الشمال النيلي في نسخته الاسلاموية الارهابيه ومليشيا الجيش السوداني الإرهابي علي رأسها البرهان على اجتراح
وصفة سحرية تشبه تلك التي استُخدمت في رواندا، وتم استلهامها — أو استنساخها — لإبادة شعوب الهامش رمزيًا ومعنويًا.
كثيرون يظنون أن إطلاق أوصاف مثل «أم كعوك»، «أولاد الضيف»، أو «عرب الشتات» ليس سوى عبارات تحقيرية تصدر عن خصم خسيس أو أفراد معزولين. لكن الحقيقة أن هذه العبارات لا تصدر دائمًا عن العامة، بل قد تتردد على ألسنة أكاديميين ونخب منتمية إلى «دولة 56» وبعض النخب النيلية المتعفنة فكريًا، بقصد أو بغير قصد، وهي تستعير أنماطًا من خطاب الإقصاء والتجريد من الإنسانية، على نحو يذكّر بتجارب تاريخية كارثية.
فالتاريخ يعلمنا أن الكوارث الكبرى لا تبدأ بالسلاح، وإنما تبدأ باللغة. لا تبدأ بالمقابر الجماعية، بل بالمجازات الصغيرة، بالنكات العابرة، وبالتوصيفات التي تبدو في ظاهرها عادية، بينما تحمل في باطنها فعلًا متدرجًا من نزع الإنسانية عن الآخر.
في ألمانيا النازية خلال ثلاثينيات القرن العشرين، لم تبدأ الكارثة بالأفران، بل بخطاب طويل صوّر اليهود باعتبارهم خطرًا عضويًا على الأمة، وجعل وجودهم ذاته محل شبهة. وفي رواندا، قبل الإبادة الجماعية التي وقعت بين أبريل ويوليو 1994 وراح ضحيتها نحو ثمانمائة ألف إنسان، لم يكن التحضير مقتصرًا على السلاح والميليشيات، بل سبقته عملية لغوية ونفسية منظمة. جرى وصف التوتسي في بعض وسائل الإعلام المتطرفة بأنهم «صراصير»، وهي كلمة لم تكن مجرد إهانة، بل أداة سياسية لتجريد فئة بشرية من صفاتها الإنسانية، بما يجعل العنف ضدها أكثر قابلية للتبرير.
إن أخطر ما تفعله اللغة الإقصائية أنها لا تكتفي بوصف الواقع، بل تعيد تشكيله. حين يُختزل إنسان في أصله، أو لهجته، أو لونه، أو انتمائه الجغرافي، يتحول تدريجيًا من مواطن كامل الحقوق إلى «آخر» تجوز الإساءة إليه، ثم إلى «عبء» يجب التخلص منه، ثم — في أكثر المراحل ظلامًا — إلى هدف مشروع للعنف.
ضمن هذا السياق، لا يمكن النظر إلى أوصاف تحمل حمولات اجتماعية أو إثنية ازدرائية بوصفها مجرد انفعالات عابرة. فخطاب التحقير المتكرر، حين تتبناه النخب أو تمنحه شرعية ثقافية، يتحول إلى بنية ذهنية قادرة على إنتاج التمييز والإقصاء وإعادة إنتاجهما جيلاً بعد جيل.
إن المأساة لا تكمن فقط في الكلمات ذاتها، بل في اعتياد سماعها دون مساءلة. فالأمم لا تنهار عندما ينتشر خطاب الكراهية فحسب، بل حين يصبح مألوفًا، وعاديًا، وغير مستحق للاعتراض.
ولعل أخطر أشكال العنف هو ذلك الذي لا يُرى: العنف الذي يسبق الرصاصة، ويهيئ لها، ويصنع مناخها الأخلاقي. ذلك هو وجه «الإبادة الصامتة»؛ حين يُجرَّد إنسان من كرامته تدريجيًا، لا لأنه ارتكب جرمًا، بل لأن صورته في المخيال الجمعي أُعيد تشكيلها على نحو يجعله أقل استحقاقًا للعدالة والاعتراف والرحمة.
فالإبادة، في أكثر صورها فتكًا، لا تبدأ بالقتل؛ إنها تبدأ عندما يتوقف الناس عن رؤية بعضهم بوصفهم بشرًا متساوين في الكرامة والحق والحياة
إذا كان نيتشه قد لمح، في نقده الجذري للأخلاق، إلى أن أحكامنا لا تُبنى دائمًا على العدل بقدر ما تُبنى على الذوق والانطباع والصورة الذهنية، فإن التاريخ الحديث يقدم شواهد أكثر قسوة من مجرد التفضيل بين فراشة وصرصور. فحين يُختزل الإنسان إلى صورة نمطية، أو يُجرَّد من ملامحه الإنسانية، تصبح الأخلاق نفسها قابلة للتلاعب، ويتحول الضمير من ميزان للحق إلى تابع للهوى الجمعي.
فأوصاف أمثل تلك التي تحمل في ظاهر ها السخرية وباطنها الإقصاء. مثل «أم كعوك» ( اولاد الضيف ) / ( عرب الشتات) — حين تُستخدم للازدراء أو التصنيف الاجتماعي — لا تبقى مجرد كلمات عابرة؛ إنها تبني صورًا ذهنية تختزل البشر داخل قوالب جاهزة. وحين يعتاد الوعي الجمعي النظر إلى فئة من الناس بوصفها أقل رقيًا، أو أقل انتماءً، أو أقل استحقاقًا للتعاطف، يبدأ الانحدار الأخلاقي بصمت
أخطر ما في الكراهية أنها لا تبدأ بالسلاح، بل بالمجاز. لا تبدأ بالدم، بل باللغة. قبل أن تقع الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، لم يُقدَّم الضحايا بوصفهم بشرًا كاملي الإنسانية. استُخدمت أوصاف حيوانية مهينة، أشهرها وصف التوتسي بـ«الصراصير»، وهي استعارة لم تكن بريئة أو عفوية؛ بل كانت جزءًا من عملية نفسية وسياسية تهدف إلى تجريد الإنسان من إنسانيته، وجعل قتله يبدو أقل فظاعة في أعين القاتل.
فالإنسان يتردد في قتل إنسان مثله، لكنه قد لا يتردد في سحق «صرصور».
وهنا تلتقي المأساة التاريخية مع بصيرة نيتشه الفلسفية. ليست المشكلة في الفعل وحده، بل في الصورة التي تسبقه. حين تتغير صورة الضحية، يتغير الحكم الأخلاقي لدى الجماعة. يصبح الظلم قابلًا للتبرير، والعنف قابلًا للتطبيع، والقسوة قابلة لأن تُقدَّم باعتبارها ضرورة أو حتى فضيلة.
لهذا لا ينبغي الاستهانة بالكلمات الساخرة، ولا بالأوصاف التي تختزل البشر إلى صور كاريكاتورية. فالمسافة بين النكتة الجارحة والكارثة الإنسانية ليست دائمًا بعيدة. التاريخ يعلمنا أن الإبادات الكبرى لم تبدأ بخطط عسكرية، بل بخيال أخلاقي فاسد أعاد تعريف من يستحق الرحمة، ومن لا يستحقها.
إن العدالة الحقيقية تبدأ حين نرفض أن نجعل الجمال معيارًا للأخلاق، أو الألفة معيارًا للكرامة، أو الصورة الذهنية معيارًا للحق في الحياة. فحين يصبح الضمير تابعًا للذوق، كما ألمح نيتشه، لا يعود الظلم استثناءً؛ بل يصبح احتمالًا دائمًا يسكن اللغة، وينتظر لحظته كي يتحول إلى واقع.