Fajr Press

الدولة والسلطة والمجتمع: ما هي الدولة الوطنية التي نريدها في ظل نظام تأسيسي؟

كتب - عبدالرحمن العاجب

في اللحظات التاريخية الكبرى، لا يكون السؤال عن السلطة وحدها هو ما يشغل الشعوب، وإنما يصبح السؤال الأعمق هو: أي دولة نريد؟ وكيف يمكن إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة تضمن الاستقرار والحرية والعدالة معًا؟ ولعل السودان يقف اليوم أمام هذا السؤال المصيري، في ظل التحولات السياسية العاصفة التي أفرزت الحاجة إلى مشروع تأسيسي يعيد تعريف الدولة الوطنية، لا باعتبارها جهازًا للحكم فحسب، وإنما بوصفها إطارًا جامعًا للمواطنة، وحارسًا للحقوق، وضامنًا للتنمية والسلام.

لقد كشفت الأزمات المتعاقبة التي شهدها العالم، كما أظهرت التجربة السودانية بصورة أكثر وضوحًا، أن الدولة ليست كيانًا جامدًا، وإنما مؤسسة تاريخية تتغير بتغير المجتمع وتحدياته. فبعد عقود من الجدل حول تراجع دور الدولة أمام العولمة والأسواق، عادت الدولة لتحتل مركز الفعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ليس لأنها استعادت سلطتها التقليدية، بل لأن الأزمات أثبتت أن المجتمعات لا تستطيع مواجهة الانهيارات الأمنية والاقتصادية والصحية دون مؤسسات دولة قادرة وفاعلة وذات شرعية.

ومن هنا تكتسب النقاشات التي يطرحها المشروع الفكري حول “الدولة والسلطة والمجتمع” أهمية خاصة، لأنها تتجاوز الأسئلة التقليدية المتعلقة بشكل الحكم إلى مساءلة طبيعة الدولة نفسها، ومصادر شرعيتها، وحدود سلطتها، وعلاقتها بالمجتمع في ظل نظام دولي يتجه نحو التعددية والتنافس أكثر من اتجاهه نحو التعاون والاستقرار.

وفي الحالة السودانية، لا تبدو هذه الأسئلة مجرد نقاشات أكاديمية، بل هي جزء من معركة بناء المستقبل. فالسنوات الماضية كشفت هشاشة الدولة عندما تنفصل عن مجتمعها، وأثبتت أن احتكار السلطة لا يصنع الاستقرار، وأن غياب العدالة يقود إلى تفكك المؤسسات، وأن المركزية المفرطة تعمق الإقصاء وتوسع دوائر الصراع.

لذلك يطرح المشروع التأسيسي، كما تعكسه مرتكزات الميثاق السياسي ودستور تحالف السودان التأسيسي، تصورًا مختلفًا للدولة الوطنية، يقوم على إعادة تأسيس العلاقة بين السلطة والمجتمع وفق عقد سياسي جديد، تكون فيه المواطنة أساس الحقوق والواجبات، وسيادة القانون المرجعية العليا، وتوزيع السلطات والموارد ضمانة للوحدة الوطنية وليس تهديدًا لها.

إن الدولة الوطنية التي يحتاجها السودان اليوم ليست دولة الهيمنة أو الاحتكار، وإنما دولة المؤسسات. دولة تستمد شرعيتها من رضا المواطنين، لا من أدوات القوة وحدها، ومن قدرتها على تقديم الخدمات وتحقيق العدالة أكثر من قدرتها على فرض السيطرة.

فالدولة الحديثة تقاس بكفاءة مؤسساتها، واستقلال قضائها، ونزاهة إدارتها، واحترامها لحقوق الإنسان، قبل أن تقاس بحجم أجهزتها الأمنية أو العسكرية.

كما أن إعادة بناء الدولة لا يمكن أن تتم بمعزل عن المجتمع. فقد أثبتت التجارب المعاصرة أن المجتمع لم يعد مجرد متلقٍ للسياسات العامة، بل أصبح شريكًا في صناعتها، ومراقبًا لتنفيذها، ومصدرًا رئيسيًا لشرعية الدولة. وهذا ما يجعل من المشاركة السياسية الواسعة، وتمكين المجتمع المدني، وضمان حرية التعبير والتنظيم، شروطًا أساسية لإنجاح أي مشروع تأسيسي.

ومن ناحية أخرى، فإن القانون لم يعد مجرد أداة لتنظيم العلاقات داخل الدولة، بل أصبح جزءًا من هندسة الشرعية السياسية نفسها. فكلما كان القانون معبرًا عن الإرادة العامة، ومطبقًا على الجميع دون استثناء، ازدادت ثقة المواطنين في مؤسساتهم، وترسخت فكرة الدولة باعتبارها ملكًا لجميع أبنائها، لا امتيازًا لفئة أو جماعة أو مركز نفوذ.

ولا ينفصل هذا التصور عن التحولات الدولية الراهنة، حيث تعيد دول كثيرة مراجعة نماذجها السياسية والاقتصادية في مواجهة أزمات الأمن والغذاء والطاقة والهجرة والتغير المناخي. وفي هذا السياق، يصبح بناء دولة وطنية قوية ومتماسكة ضرورة استراتيجية، ليس فقط لإدارة الشأن الداخلي، وإنما أيضًا لتعزيز قدرة السودان على التفاعل الإيجابي مع محيطه الإقليمي والدولي، وحماية مصالحه الوطنية في عالم تتزايد فيه المنافسة على الموارد والنفوذ.

غير أن قوة الدولة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها توسعًا في السلطة على حساب المجتمع، وإنما باعتبارها قدرة على تحقيق التوازن بين السلطة والحرية، وبين الأمن والحقوق، وبين وحدة الدولة وتنوع المجتمع. فالدولة القوية هي التي تنجح في إدارة التنوع الثقافي والإثني والديني باعتباره مصدرًا للثراء الوطني، لا سببًا للصراع والانقسام.

ومن هنا تبرز أهمية المبادئ التي يقوم عليها المشروع التأسيسي، وفي مقدمتها ترسيخ دولة المواطنة، وإقامة نظام حكم يقوم على الشفافية والمساءلة، وإعادة بناء المؤسسات العامة على أسس الكفاءة والاستقلال، وضمان عدالة توزيع السلطة والثروة بين مختلف الأقاليم، بما يعزز الوحدة الوطنية ويعالج جذور التهميش التاريخي.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة النصوص الدستورية وحدها، وإنما في تحويلها إلى مؤسسات وسياسات وثقافة سياسية جديدة. فالدساتير، مهما بلغت دقتها، لا تصنع دولة حديثة ما لم تتوافر الإرادة السياسية، والالتزام المجتمعي، والقدرة المؤسسية على إنفاذ أحكامها.

ولهذا فإن المشروع التأسيسي ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره عملية مستمرة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وليس مجرد محطة انتقالية في تاريخ الحكم.
وفي النهاية، فإن سؤال “ما هي الدولة الوطنية التي نريدها؟” لا يبحث عن نموذج نظري معزول، بل عن مشروع وطني قادر على الاستجابة لتطلعات السودانيين في السلام والحرية والعدالة والتنمية.

إنها دولة تتجاوز الانقسامات الضيقة، وتؤسس لشرعية قائمة على المشاركة وسيادة القانون، وتعيد الاعتبار للإنسان بوصفه الغاية النهائية لكل سياسات الدولة.
وعندما تصبح الدولة إطارًا جامعًا لكل مواطنيها، وتتحول السلطة إلى خدمة عامة لا وسيلة للهيمنة، ويصبح المجتمع شريكًا حقيقيًا في صناعة القرار، عندها فقط يمكن القول إن السودان قد بدأ بالفعل رحلة تأسيس دولته الوطنية الجديدة؛ دولة تستمد قوتها من مؤسساتها، وشرعيتها من مواطنيها، ومستقبلها من قدرتها على التكيف مع عالم متغير دون أن تفقد هويتها أو رسالتها الوطنية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.