بين التشريع وبناء السلام .. مجلس الأقاليم يستأنف مسار تأسيس الدولة اللامركزية في السودان.
نيالا - فجر برس
يمثل إعلان مجلس الأقاليم التابع لحكومة السلام “تأسيس” قرب استئناف جلساته التشريعية محطة جديدة في مسار بناء مؤسسات الدولة الانتقالية، في ظل ترتيبات تستند إلى ميثاق السودان التأسيسي والدستور الانتقالي لسنة 2025، اللذين وضعا أسساً جديدة لإدارة الدولة على قاعدة اللامركزية السياسية والإدارية والقانونية والمالية، باعتبارها إحدى الركائز الرئيسية لمعالجة الأزمة السودانية الممتدة وتحقيق الاستقرار والسلام.
وفي السياق قال رئيس مجلس الأقاليم، القائد أرنو نقوتلو لودي، إن المجلس سيستأنف خلال الفترة المقبلة أعمال دورته الأولى لاستكمال عدد من الملفات التشريعية والتنظيمية، وفي مقدمتها إجازة لائحة تنظيم أعمال المجلس، وتشكيل لجانه المتخصصة، إلى جانب مناقشة وإجازة مشروع قانون الحكم اللامركزي وقانون تحصيل وقسمة الإيرادات المالية، اللذين أودعهما مجلس الوزراء تمهيداً لإجازتهما.
ويكتسب القانونان أهمية استثنائية، باعتبارهما من التشريعات المؤسسة للنظام الدستوري الجديد، إذ يمثلان الإطار القانوني الذي سينظم العلاقة بين مستويات الحكم المختلفة، ويحدد اختصاصاتها وسلطاتها ومواردها المالية، بما يترجم المبادئ الواردة في ميثاق السودان التأسيسي والدستور الانتقالي إلى مؤسسات وسياسات قابلة للتطبيق.
وكان أعضاء مجلس الأقاليم قد أدوا القسم الدستوري في الثاني والعشرين من أبريل 2026، إيذاناً بانطلاق الدورة الأولى للمجلس، حيث باشر مهامه بعقد عدد من الجلسات التي ناقشت لائحة تنظيم أعماله، كما أجاز تعيين الوزراء وعدد من رؤساء المؤسسات الاتحادية وكبار موظفي الخدمة المدنية، قبل تعليق الجلسات خلال عطلة عيد الأضحى المبارك.
وينطلق مشروع قانون الحكم اللامركزي من النصوص الدستورية التي أقرت أن يقوم نظام الحكم في السودان على اللامركزية بمختلف أبعادها، وأن تتوزع السلطة بين ثلاثة مستويات رئيسية هي: المستوى الاتحادي، والإقليمي، والمحلي.
ويهدف القانون إلى رسم الحدود الدستورية والقانونية للعلاقة بين هذه المستويات، من خلال تحديد الاختصاصات الحصرية والاختصاصات المشتركة، وتنظيم إدارة الموارد المالية وآليات التنسيق بين الحكومات المختلفة، بما يعزز الكفاءة الإدارية ويحد من التداخل في الصلاحيات.
ويمنح المشروع الأقاليم مساحة دستورية لإعداد دساتيرها الإقليمية بما يتوافق مع خصوصياتها الاجتماعية والثقافية والإدارية، مع الالتزام بالمبادئ العامة التي نص عليها الدستور الانتقالي، وفي مقدمتها الحفاظ على طبيعة الدولة باعتبارها دولة ديمقراطية لا مركزية تقوم على سيادة حكم القانون، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، والفصل بين مؤسسات الدولة والانتماءات الدينية أو العرقية أو الجهوية.
ويمثل الحكم المحلي إحدى الركائز الأساسية للنظام الجديد، إذ يمنح مشروع القانون الأقاليم سلطة سن تشريعات الحكم المحلي وتحديد مستويات الإدارة المحلية بما يتناسب مع أوضاع كل إقليم واحتياجاته التنموية.
وينص المشروع على تمتع المجالس المحلية باستقلال مالي وإداري، مع تحديد مواردها المالية بموجب القانون، بما يمكنها من الاضطلاع بمهامها في تقديم الخدمات الأساسية، وإدارة التنمية المحلية، وتوسيع المشاركة الشعبية في صناعة القرار، وهو ما يتسق مع فلسفة ميثاق السودان التأسيسي القائمة على تقريب السلطة من المواطنين وتعزيز المساءلة والشفافية.
إلى جانب قانون الحكم اللامركزي، يناقش مجلس الأقاليم مشروع قانون تحصيل وقسمة الإيرادات المالية، الذي يعد من أكثر التشريعات ارتباطاً بنجاح التجربة اللامركزية.
فإعادة توزيع الموارد بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحليات تمثل عنصراً حاسماً في معالجة الاختلالات التنموية التاريخية، وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الثروة، وتمكين الحكومات الإقليمية والمحلية من تنفيذ اختصاصاتها بصورة فعالة.
وتشير فلسفة ميثاق السودان التأسيسي إلى أن معالجة التفاوت التنموي بين الأقاليم لا يمكن أن تتحقق إلا عبر نظام مالي يقوم على معايير العدالة والكفاءة والشفافية، ويوازن بين الاحتياجات التنموية والموارد المتاحة لكل إقليم.
وفي السياق أكد رئيس مجلس الأقاليم أن المجلس سيواصل أداء دوره التشريعي والرقابي لضمان التزام السلطة التنفيذية بتنفيذ القوانين وتحويلها إلى سياسات وإجراءات عملية، بما يعزز بناء مؤسسات الدولة ويضمن احترام أحكام الدستور.
ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة في ظل المرحلة الانتقالية، حيث تشكل المؤسسات التشريعية إحدى الضمانات الأساسية لترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات، وتعزيز الرقابة على الأداء التنفيذي، ومتابعة تنفيذ التشريعات التي تؤسس للنظام السياسي والإداري الجديد.
وربط رئيس مجلس الأقاليم بين مسار التشريع ومسار السلام، مؤكداً أن حكومة التأسيس قامت أساساً لإنهاء الحروب وإقامة سلام عادل وشامل ومستدام، وأن مؤسسات الدولة المختلفة تضطلع بأدوار متكاملة لتحقيق هذا الهدف.
وأشار إلى أن المشروع التأسيسي لا يقتصر على إيقاف العمليات العسكرية، وإنما يمتد إلى بناء منظومة مؤسسية متكاملة لإدارة السلام، تشمل مفوضية السلام، وأجهزة إنفاذ القانون، والآليات المجتمعية التي تضم مختلف مكونات المجتمع، بما يسهم في إدارة التنوع وتعزيز التعايش والاستقرار.
وفي هذا السياق، يواصل مجلس الأقاليم متابعة ملفات الإغاثة الإنسانية، وإعادة الإعمار، وعودة ودمج النازحين والعائدين، ومعالجة النزاعات المحلية، باعتبارها ملفات مترابطة مع عملية بناء السلام واستعادة مؤسسات الدولة.
وأكد أرنو نقوتلو لودي أن تحقيق السلام الدائم يستوجب معالجة الأسباب التاريخية للأزمة السودانية التي ظلت تغذي الصراعات المسلحة منذ عام 1955، مشيراً إلى أن تجاهل هذه الجذور أو تجاوزها لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات.
وتنسجم هذه الرؤية مع الفلسفة العامة لميثاق السودان التأسيسي، الذي يربط بين إعادة هيكلة الدولة، وتوزيع السلطة والثروة بصورة عادلة، وترسيخ المواطنة المتساوية، وإقامة نظام حكم لا مركزي، بوصفها عناصر مترابطة لمعالجة أسباب النزاعات وتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي.
ومع اقتراب استئناف جلسات مجلس الأقاليم، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة في مسار تنفيذ الوثائق التأسيسية، إذ إن إجازة قانون الحكم اللامركزي وقانون قسمة الإيرادات لن تمثل مجرد استكمال للإجراءات التشريعية، وإنما ستشكل خطوة عملية نحو ترجمة المبادئ الدستورية إلى واقع مؤسسي، بما يفتح الباب أمام بناء دولة تستند إلى اللامركزية الرشيدة، والعدالة في توزيع الموارد، والمشاركة الواسعة في إدارة الشأن العام، باعتبارها الأسس التي يقوم عليها المشروع التأسيسي لبناء السودان الجديد.