Fajr Press

من يشارك في حوار البرهان.. غير الانتهازيين؟

كتب - د. عمر القراي

(يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ۖ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) صدق الله العظيم

استطاع أحد الناشطين، أن يجمع لقطات مختلفة، من أحاديث متفرقة للبرهان في فيديو واحد، دون أن يعلق عليها. وانتشر الفيديو في وسائل التواصل الاجتماعي، كشهادة دامغة، على أن البرهان كاذب، ولا عهد له، ولا ذمة. ومما جاء في ذلك الفيديو العجيب، قول البرهان عن اعتصام القيادة العامة (كلنا نعلم اننا نحن تعاهدنا مع كل الشعب السوداني ان البكان دا ما بنفضوا، ودا عهد نحن قطعناه ما بنكذب على زول، ونحن لو دايرين ما كان غلبنا من اول يوم فضيناه).. هذا ما قاله البرهان، قبل أيام من إعطاء الأوامر بفض الاعتصام، بأبشع صور الوحشية، حيث تم قتل ما لا يقل عن ألفي شاب وشابة، مع الحرق داخل الخيام، والاغراق في النيل، والاغتصاب، والبرهان يقف على الشرفة العالية في القيادة العامة، يتفرج هو وأعوانه، على هذه المذبحة المنكرة. وحين وافق البرهان على الاتفاق الإطاري، ووقع عليه، خاطب الشعب قائلاً: (نحن اتفقنا وقلنا كلمة رجال هناك ونحن رجال عند كلامنا.. الاتفاق الإطاري الخايفننا ننط منو دا ما راح ننط منو، حنمشي فيه لغاية ما نكملو). وبعد ذلك (نط) من الاتفاق الاطاري، وانسحب عنه، ومسح يده منه، ولم يكن رجلاً عند كلمته كما ادعى!! وقبل أن يقوم بانقلابه المشؤوم، على الحكومة المشتركة بينه وبين المدنيين، في 25 أكتوبر 2021م، خرج في لقاء قال فيه: (القوات المسلحة ملتزمة التزام قاطع أنه لا تنقلب على ثورة ديسمبر.. الناس البروجوا كلهم بيقولوا ان الجيش داير ينقلب نحن نقول ليهم نحن سنلقمكم حجراً) وفي لقطة أخرى قال: (ستظل القوات المسلحة متماسكة بكل منظوماتها وكل مكوناتها صفاً واحداً خلف مهام وحماية الفترة الانتقالية إلى أن تبلغ منتهاها، ولن نسمح بأن يحدث أي انقلاب على الشرعية الثورية) وقال أيضاً: (نحن أحرص الناس على الانتقال الديمقراطي كعسكريين واحرص ناس على أن الفترة الانتقالية تنتهي بسلاسة وتنتهي بانتخابات)!! وفي ذلك الوقت، كان البرهان يتباهى بعلاقته مع الدعم السريع، فقال في لقطة من ذلك الفيديو: (ما تحاولوا تفتنوا بينا وبين الدعم السريع نحن حاجة واحدة، نحن جيش واحد، ومنو هم ناس الدعم السريع؟ هم جايين من وين؟ ما كلهم من الشعب دا، زي ما الجيش من الشعب السوداني، عشان كدا ما راح نرفع سلاحنا في وجه بعض، ونحن كلنا حاجة واحدة، وما عندنا أدنى شك أننا دايرين نفسح المجال لإخواننا السودانيين الوطنيين عشان يشكلوا حكومة).
وفي بداية الحرب وبعد استمرارها، ظل البرهان، ومعه مجموعة محاصرين في “البدروم” في القيادة العامة، وبقي هناك لعدة شهور. وحين خرج من “البدروم” ظهر لينفي ذلك ويقول: (الكل عارف لو في زول قعد ليهو في “بدروم” ولّا في أي حتة، الجيش شاهد أنا كنت قاعد الفترة دي كلها مع الضباط والعساكر ديل، ما فارقتهم ولا زحيت منهم شبر، لا عندنا “بدروم” خرجنا منو، ولا دخلنا في جحر، قاعدين برا، وهسع قاعدين برا، وفي كل مرة بنقعد برا) ولكنه بعد فترة قال: (أنا بأكد أنا خرجت من القيادة العامة دي مافي زول قدم لي مساعدة، ولا مرقت بصفقة ولا مرقت بأي اتفاق)!! وبعد عامين من الحرب خرج يندد بالدعم السريع ويقول: (لا عندنا مفاوضات لا عندنا سلام لا عندنا وقف إطلاق نار، الناس ديل يا ينتهوا يا يفزوا يخلوا البلد دي)!! فإذا كان البرهان يرى أن يستمر في الحرب، حتى يقضي تماماً على الدعم السريع عسكرياً، فلماذا دعا مؤخراً لحوار (سوداني سوداني)؟!
هذا هو البرهان!! فهل يظن من يحاوره، ويصل معه لأي اتفاق، أن له عهد يرعاه؟! أوليس من يتفق مع رجل كهذا، لا بد أن يكون شخصاً انتهازياً، لا يتمتع بأي قيمة خلقية؟
قبل أن يشرح البرهان مقترحه للحوار، أشار إليه، حيث قال في أحد مخاطباته: “لا وجود لأي قيد قانوني، أو ملاحقة جنائية، تطال تحالف “صمود”، أو تطال أي ناشط، أو معارض سياسي، وأن أبواب السودان مفتوحة للجميع”. ولكن هذا التصريح، واجه نقداً لاذعاً، خاصة من القانونيين. وذلك لأن هؤلاء المعارضين من “صمود”، قد فتحت ضدهم بلاغات من النيابة، واتهموا بتهم تصل عقوبتها للإعدام، فكيف تسقط عنهم الملاحقة القانونية، قبل محاكمتهم، وإثبات إدانتهم؟! ولماذا لا يخرج النائب العام، الذي طلب من “الانتربول” أن يقبض عليهم، ويخبرنا أنه أخطأ في فتح تلك البلاغات، وأن المتهمين أبرياء من كل ما اتهموا به؟! ولعل البرهان شعر أنه في ورطة، وربما يكون قد استنجد بمستشاره القانوني، نبيل أديب، فقدم له نصيحة، هي ما قاله في خطابه، الذي شرح فيه موضوع الحوار المزعوم.
فهو بعد أن ذكر أن الدعوة جاءت من مجموعة من السودانيين، وأنه وافق عليها، قال إنهم طلبوا منه ضمان للمشاركين في الحوار، حتى يقبلوا بالحضور، ولهذا هو خرج بما قاله من قبل، وهو الآن يريد أن يوضح، إن ما قاله لا يعني إعفاء قادة “صمود”، الذين اتهموا بارتكاب جرائم من جرائمهم. وإنما هو وقف مؤقت للإجراءات ضدهم، حتى يتمكنوا من الحضور والمشاركة في الحوار. فالحيلة إذاً، أن يقنعوا هؤلاء المعارضين للحضور للحوار، فإذا رضخوا لما يريده البرهان من الحوار، فسيذهبون موفورين. أما إذا لم يقبلوا، وظلوا على معارضتهم لأي وجود عسكري في السلطة، يرفع وقف الإجراءات فوراً، ويتم القبض عليهم، بمجرد خروجهم من قاعة الحوار!! فهل رأى الناس مثل هذه السذاجة، التي تصور لصاحبها، أن أحداً يمكن أن يقبل ذلك؟!
ثم إن البرهان، لم يوضح لماذا طلب منه هؤلاء المواطنون، الذين فضل ألا يذكر أسماءهم، أن يجري حواراً دون أن يطالبوا بوقف الحرب!! وهل المواطن السوداني، الآن، يعاني من عدم الحوار، أم عدم الأمن وعدم الغذاء والدواء؟
لقد ظل البرهان منذ انقلابه على حكومة الثورة، فاقداً للشرعية. فهل يظن أنه لو استطاع تجميع جماعة “الموز” من الانتهازيين، والنفعيين، وأبواق إعلام الإخوان المسلمين، وبعض قيادات الاخوان من الصف الثاني أو الثالث، الذين لا يعرفهم كثير من الناس، وتحاور معهم، ومنحوه الحق في الحكم لفترة جديدة، سيحقق الشرعية، التي ظل يتطلع إليها، وبها يمكن أن يقنع العالم، بأن الحوار الوطني المدني هو الذي فوضه ليحكم السودان عسكرياً؟!
موضوع الحوار هذا، الذي يطرحه الاخوان المسلمون عن طريق البرهان، حيلة جديدة، يراد بها كسب الوقت، حتى يستطيع التنظيم العالمي، أن يوفر للبرهان سلاحاً من تركيا أو قطر، وهم بهذه الطائرات التركية، يظنون أنهم يمكن أن يمدوا في عمر الحرب، وفي الفوضى التي تصاحبها، وفي تصفيتهم لخصومة سراً وعلانية. المهم أن يبعدوا فكرة الحكومة المدنية الديمقراطية عن التطبيق، لأن فيها نهايتهم المحتومة. فهي ستوقف نهبهم للمال العام، الذي تضاعف بسبب الفوضى وغياب القضاء الحر المستقل، أثناء الحرب. وهي ستطارد الأموال، التي نهبوها من الشعب، وتستردها. ثم إنها ستقدمهم لمحاكمات على جرائمهم، وهذا أمر من سوء المنقلب، والاهانة، قد يفضلون عليه الموت.
على أن الاخوان المسلمين، بعد ان حكموا ثلاثين عاماً، وانتهى حكمهم الى حروب، اشعلوها في الجنوب، وفي دارفور، وقتلوا فيها مئات الآلاف من السودانيين، ونهبوا أموال الشعب السوداني، بصورة مبالغ فيها، تحدث عنها شيخهم الترابي، يريدون ان يعودوا مرة أخرى، للحكم الذي نزعه الله منهم، بواسطة ثورة الشعب، ليواصلوا المزيد من الفساد في الأرض. فلو فكروا في أمرهم قليلاً، ورجعوا الى ربهم لحظة، لشعروا بعظم جريرتهم (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ).

27 أغسطس 2026م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.