أظن غير آثم أنّ الطيب صالح كان سيكون آثار تربة منسية وسط مقابر كرمكول من ديار الشايقية إن لم يسلم بهجرته إلى الشمال اللندني , فكان ما كان من أثر عظمته وصيته . أمّا التجاني يوسف بشير فقد انتهى أمره حسيرا كسيفا يستنشق أبخرة البنزين ومخلفات الزيوت الراجعة , وقد أرهق قلبه قبل عقله عنت الزيود وعمرو وإعرابه , فاتسعت رؤياه حتى ضاقت العبارة , فتكالب عليه الجهل وعقل القطيع فطرد من معهده الذي غنى له !! وسيرة وجع التجاني , وذهول إدريس جمّاع عن متاع الدنيا , من سير مهالك المبدعين السودانيين.
فوجد في صفحة الرمل على الشاطئ صفحات يخط عليها تأوهات النفس ومسارب الضي ومخرجات العقل الطليق , إننا طيفان في حلم سماوي سرينا .. ويستمر النشيج , الفتى المرهق بهنس , بعد إهدائنا الفوضى شجار طفلين في ساحة روضة … وأسواق أرخص ما فيها حليفة الله .. يهدينا (ولا شئ ) ويقطع وديان السهو مشي .. ويموت متجمدا في برد القاهرة على كنبات حديقة عامة وسط البلد , وتخسر البلد التي وصفها عاطف خيري : بلاد أنجبتني وقالت غريب .. وعاطف لاذ بمهجره الأسترالي النائي هناك وراء المحيطات والبحور .. ولو ظل ماكثا في أرض الميعاد لهلك مثلما هلك الدوش .. الدوش الذي لم يتناول جرعة من كاس الزبادي ولفمة الرغيف آخر طعامه على ظهر الأرض فمات على عنقريب في ساحة بيت في أم درمان , وقد جمّل للحزن ممشى ..
أي مهالك هذي التي يقع في براثنها المبدعون السودانيون إن همو ظلوا ههنا ماكثين , كم من مبدع مرهف فائق الفكرة جلي النظرة سليم الفطرة يتوه بين أودية العتمة التي تكلل بلادنا فتجعل أسافلها أعاليها وأوضعنا ساداتها أي بلاد هذي قل لي بربك .
سلام على روح جعفر خضر وسلام على روح علي عسيلات , كلاهما رحل قبل ايام ميمما شطر الملكوت الرباني الرحيب وقد أبليا عمريهما في خدمة الشعب والناس , فاستقرت أرواحهما في عليين مع الأبرار الصالحين . العزاء موصول لكل من له صلة بهما .