القائد جوزيف توكا: من ساحات القتال إلى واجهة مشروع السودان الجديد.
الكرمك - فجر برس
في خضم التحولات العسكرية والسياسية المتسارعة التي يشهدها إقليم الفونج الجديدة، يبرز اسم القائد جوزيف توكا علي بوصفه واحداً من أبرز القيادات العسكرية والسياسية في الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، وأحد الوجوه المخضرمة التي ارتبط حضورها بالصراع السوداني منذ عقود.
وتولى توكا، وفق المعطيات المتداولة، عدداً من المواقع القيادية، من بينها نائب رئيس الحركة ونائب القائد العام للجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال، إلى جانب توليه منصب حاكم إقليم الفونج الجديدة وعضوية المجلس الرئاسي لحكومة “تأسيس”. ويمنحه هذا التداخل بين الأدوار العسكرية والسياسية موقعاً مؤثراً في المشهد الجديد الذي يتشكل في النيل الأزرق، في ظل استمرار الحرب وتبدل خرائط السيطرة والنفوذ.
أربعة عقود في مسار الحرب
تعود علاقة جوزيف توكا بالحركة الشعبية إلى عام 1986، حين انضم إليها، لتبدأ مسيرة طويلة في العمل العسكري والسياسي امتدت عبر مراحل متعاقبة من الحروب السودانية.
وخلال العقود الماضية، ارتبط اسمه بالنشاط العسكري للحركة في قطاع النيل الأزرق ومنطقة يابوس، حيث شارك في عمليات عسكرية ومحطات ميدانية متعددة. ومع اندلاع الحرب الحالية في السودان، عاد توكا إلى واجهة الأحداث، خصوصاً مع تصاعد العمليات العسكرية في إقليم الفونج الجديدة، وما رافقها من تحالفات ميدانية بين قوات “تأسيس” والحركة الشعبية – شمال وقوات الدعم السريع.
وفي هذا السياق، تحدث توكا عن تطورات ميدانية قال إنها أحدثت تحولاً في ميزان القوى بالإقليم، مشيراً إلى سيطرة قوات “تأسيس”، بحسب روايته، على مدينتي قيسان وبكوري، مقر اللواء 13 التابع للفرقة الرابعة، خلال أغسطس الماضي.
ويرى توكا أن هذه التطورات جعلت مدينة الدمازين، عاصمة ولاية النيل الأزرق، في وضع عسكري أكثر انكشافاً، واعتبر أن ما جرى في الفونج الجديدة يمثل تحولاً مهماً في طبيعة المعادلة العسكرية بالمنطقة.
الكرمك .. أكثر من موقع عسكري
ولا ينظر توكا إلى مدينة الكرمك باعتبارها مجرد نقطة عسكرية في خريطة الصراع، بل يمنحها أهمية استراتيجية تتجاوز حدود الإقليم.
وقال إن الكرمك تمثل بوابة للسودان نحو القارة الأفريقية، بما تحمله من أبعاد سياسية واقتصادية وأمنية وثقافية، الأمر الذي يجعل السيطرة عليها ذات انعكاسات تتجاوز الحسابات الميدانية المباشرة.
ومن هذا المنظور، يربط توكا بين التطورات العسكرية في الفونج الجديدة والتحركات السياسية والدبلوماسية لتحالف وحكومة “تأسيس”، معتبراً أن التغيرات على الأرض يمكن أن تعيد تشكيل موقع التحالف في الحسابات الإقليمية والدولية.
الضغط العسكري كطريق إلى السلام
في أحدث تصريحاته، قدم توكا رؤية صريحة لمسألة إنهاء الحرب، تقوم على أن السلام، في تقديره، لا يمكن أن يتحقق من خلال التفاوض وحده، وإنما يحتاج إلى ضغط عسكري متزامن مع تحرك سياسي يستهدف تغيير بنية الدولة.
وقال إن إنهاء الحروب وتحقيق سلام عادل يمران عبر ممارسة الضغط العسكري ومحاصرة الحركة الإسلامية والعمل على تفكيكها، معتبراً أن استمرار البنية السياسية التي يصفها بـ”القديمة” يمثل أحد جذور الأزمة السودانية.
وتنسجم هذه الرؤية مع الموقف الفكري والسياسي الذي يتبناه توكا منذ سنوات، والقائم على مشروع “السودان الجديد”، الذي يدعو إلى إعادة صياغة بنية الدولة على أسس مختلفة، وإنهاء ما يصفه بالتهميش والإقصاء التاريخي لمناطق وأقاليم سودانية واسعة.
ويرى توكا أن الوصول إلى سلام مستدام لا ينفصل عن تغيير هيكلي في طريقة إدارة الدولة، وليس مجرد وقف لإطلاق النار بين الأطراف المتحاربة.
خطاب يستند إلى ذاكرة التهميش
وفي خطابه إلى سكان إقليم الفونج الجديدة، اتخذ توكا منحى سياسياً مباشراً، داعياً أبناء المنطقة إلى عدم الانضمام إلى القوات التي يصفها بأنها تابعة للحركة الإسلامية.
وقال مخاطباً سكان الإقليم: “لا تدافعوا عن دولة السودان القديم”، مستنداً إلى ما يعتبره تاريخاً طويلاً من التهميش السياسي والاجتماعي لأبناء المنطقة.
وتساءل عن جدوى الدفاع عن نظام وصفه بأنه “عنصري إقصائي”، في محاولة لإعادة تعريف الصراع من كونه مواجهة عسكرية بين قوات متنافسة إلى معركة أوسع حول شكل الدولة السودانية ومستقبلها السياسي.
اتهامات الدعم الخارجي
وفي الجانب الآخر من المشهد، رفض توكا الاتهامات التي يوجهها الجيش السوداني إلى قوات “تأسيس” بشأن تلقيها دعماً خارجياً من دول مجاورة، ووصف تلك الاتهامات بأنها “أسطوانة مشروخة”، متهماً حكومة بورتسودان بتكرارها والترويج لها.
وتأتي هذه التصريحات في وقت أصبحت فيه قضية الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة واحدة من أكثر الملفات حساسية في الحرب السودانية، وسط تبادل الاتهامات بين القوى المتصارعة بشأن مصادر السلاح والإسناد السياسي والعسكري.
بين البندقية والسياسة
ويكشف مسار جوزيف توكا عن شخصية جمعت، على مدى عقود، بين العمل العسكري والانخراط السياسي. فالرجل الذي بدأ مسيرته داخل الحركة الشعبية في ثمانينيات القرن الماضي يجد نفسه اليوم في موقع يجمع بين القيادة العسكرية وصنع القرار السياسي والإدارة الإقليمية.
وبينما يسعى توكا إلى تقديم الانتصارات الميدانية الأخيرة باعتبارها خطوة نحو تفكيك ما يسميه “البنية القديمة” وإعادة تشكيل السودان، فإن استمرار المعارك في النيل الأزرق يضع رؤيته أمام اختبار بالغ التعقيد.
فالمعادلة السودانية لا تتحدد بالسيطرة على المدن والمواقع العسكرية وحدها، بل تتداخل فيها حسابات القوى المحلية والإقليمية والدولية، فضلاً عن السؤال الأكبر المتعلق بمستقبل الدولة وشكل التسوية التي يمكن أن تنهي الحرب.
وفي هذا المشهد، يبدو جوزيف توكا واحداً من القيادات التي تراهن على أن تغيير موازين القوى على الأرض يمكن أن يفتح الطريق أمام تغيير سياسي أوسع.
لكن نجاح هذا الرهان سيظل مرتبطاً بقدرة الأطراف المتحاربة على تحويل المكاسب العسكرية إلى ترتيبات سياسية قابلة للحياة، وبمدى استعداد السودانيين لتجاوز منطق الحرب نحو صيغة جديدة للدولة والسلام.