(مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ* أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) صدق الله العظيم.
لقد ظهرت أخيراً، أسماء أعضاء المجموعة، التي ستقوم بالإشراف على الحوار، الذي دعا إليه البرهان، وذكره في خطابه. وظهر اسم البروفسير قاسم بدري، مدير جامعة الأحفاد للبنات، كرئيس للجنة هذه للمبادرة. وما دام قاسم بدري، رضي القيام بهذا الدور، وهي سقطة كبرى، فلا بد من وزن موقفه، ومحاولة وضع يده على الخطأ، لعله يتدارك أمره، ولا يصر على ذنبه، كما فعل من قبل.
أول سؤال يجب أن يسأله قاسم لنفسه هو: لماذا جاء الحديث عن الحوار، ولم يرد حديث من الحكومة عن هدنة، أو وقف إطلاق نار، أو وقف الحرب؟! هل أهم ما يعاني منه الشعب السوداني، الآن، هو غياب الحوار بين السياسيين، أم الموت اليومي، بسبب الحرب، وما ترتب عليها من جوع، ونزوح، ومعاناة؟! ولعل بروفيسور قاسم، وهو في السودان، يعلم ما وصل اليه حال الناس. فحتى “التكايا” التي كانت تطعم الفقراء، أوقفتها سلطة ولاية الخرطوم، مما سبب جوعاً زائداً، وزاد أمراض سوء التغذية. وليس هناك مرتبات، وأستاذة كلية الطب دخلوا في إضراب، والمعلمون في مختلف المراحل، لم تصرف رواتبهم لشهور. وليس هناك أمن في العاصمة، وقوات المشتركة، تمارس النهب جهاراً نهاراً، ولا تستطيع الحكومة أن تسألها!! فلماذا لا تسعى الدولة في حل المشاكل العاجلة، لتخفف من وطأة الحرب، قبل الحديث عن الحوار السياسي؟! وهذه اللجنة التي يترأسها قاسم، والمكونة من عشرين عضواً، لا يعرف كل فرد منهم كل الآخرين، من الذي كونها؟! ولماذا لم يعلن عن الجهة التي اقترحت هذه الأسماء؟! هل هي جهاز الأمن والمخابرات؟! هل هي الحركة الإسلامية؟! لأن العامل المشترك، بين معظم أعضائها، أنهم عبروا أثناء الحرب، عن مساندتهم للجيش، وكتائب الحركة الإسلامية، وميليشياتها المقاتلة معه، وعبروا عن إدانتهم لجرائم الدعم السريع، ولم نسمع منهم كلمة عن إدانة جرائم الجيش وكتائب الحركة الإسلامية التي بلغت بقر البطون وقطع الرؤوس واللعب بجماجم البشر. بل أن أحد أعضاء اللجنة نشرت له صورة وهو يحمل سلاحه ضمن المقاتلين المستنفرين لهذه الحرب وهو الأمين سعد. فهذه لجنة واضحة الانحياز، فهل يرجو عاقل منها أن تقوم بعمل لمصلحة البلد، أم أنها كونت أصلاً لمصلحة الجهة التي أتت بها؟
لقد صرح عضو لجنة قاسم بدري نصر الدين شلقامي بأنهم سيدعون الحركة الإسلامية للمشاركة في الحوار!! ومعلوم أن الحركة الإسلامية شاركت في الحرب، عن طريق كتائبها، وميليشياتها. وما دام من شارك في الحرب، وقتل المواطنين السودانيين، يمكن أن يدعى للحوار، فلماذا لا يُدعى الدعم السريع للحوار؟! هل سأل بروفيسور قاسم بدري نفسه هذا السؤال؟!
أول بيان صدر عن هذه اللجنة، التي لا يعرف أحد الجهة التي كونتها، جاء فيه قولهم:
(تقدر المبادرة استعداد الدولة السودانية لتوفير البيئة الآمنة لانعقاد الحوار داخل السودان وما طرح من ضمانات أولية بهذا الصدد. وتؤكد إن هذه الضمانات ينبغي أن تكون واضحة وقابلة للتحقق وأن تظل قابلة للتشاور والتطوير مع الأطراف المعنية ومن بين المطلوبات الأساسية:
ـ وقف جميع البلاغات المقيدة بواسطة أي جهاز من أجهزة الدولة في مواجهة أي سوداني مقيم بالخارج دخل البلاد من أجل الانخراط في الحوار)!!
أما الضمانات، التي ترى المبادرة أن الدولة حققتها، وتقدر لها ذلك، فهي ما جاء في خطاب البرهان، بأن الاتهامات ضد أعضاء “صمود” لن تسقط، ولكنها ستعلق حتى ينتهي الحوار!! فهل هذه ضمانات يشكر عليها البرهان؟! وإذا كانت هذه الضمانات كافية حقاً، لماذا قالت مبادرة لجنة قاسم (ينبغي أن تكون واضحة وقابلة للتحقق وقابلة للتشاور والتطوير)؟! ولماذا اقترحوا وقف جميع البلاغات، بدلاً من تعليق الإجراءات الذي ذكره البرهان؟! وهل “الوقف” يختلف عن “التعليق”، أم كلاهما يمكن أن يكون إجراء مؤقت، يلغيه البرهان في أي لحظة، ويقبض على خصومه؟!
السؤال المهم الذي أود أن يواجه به بروفيسور قاسم بدري نفسه هو: هل حمدوك، وأعضاء “صمود”، يستحقون حقاً أن يعتبروا خائنين للدولة، ويستحقون القتل؟! وهل يعتقد قاسم إن مجموعة “صمود”، والأحزاب المدنية الأخرى، هي التي أشعلت هذه الحرب؟! هل قرأ أو سمع أي تأييد منهم للدعم السريع، أم انهم كانوا ينادون دائماً بوقف الحرب؟! وهل يقبل قاسم بدري، بوصفه رئيس اللجنة، أن توجه اتهامات تصل حدّ الإعدام لأعضاء “صمود”، لاتهامهم بموالاة الدعم السريع -وهو اتهام لا دليل عليه- ثم تُلغى اتهامات قادة الدعم السريع، الذي مارسوا القتل بأيديهم، ويعتبروا أبطالاً لأنهم انحازوا الى الجيش؟! هل فعلاً يؤمن بروفيسور قاسم بدري بأن “كيكل” و “النور قبة” ابطال، وحمدوك وزملاؤه خونة ويستحقون القتل؟!
ولا شك أن قاسم بدري، قد سمع وقرأ التوثيق الفرنسي، لاستخدام الجيش، وكتائب الإسلاميين للأسلحة الكيميائية، في الحرب، واطلع على البيان الأمريكي بذلك، وتابع وطرح أمريكا لهذا الأمر، في اجتماع لجنة حظر الأسلحة الكيميائية، التابعة للأمم المتحدة، مما يجعله أمراً حقيقياً، لم تستطع الحكومة نفيه، خاصة بعد ظهور فيديوهات للبرهان وياسر العطا، يشيرون الى استخدامه، ويسمونه السلاح المميت. ثم ما نشر من صور لعساكر من الجيش، يلبسون البدلات الواقية، من السلاح الكيميائي. فهل يرضى بروفيسور قاسم بدري وهو أستاذ جامعي، ومربي يشرف على مؤسسة تعليمية، لنفسه، أن يساعد نظام مجرمي حرب، ومرتكبي جرائم ضد الإنسانية؟!
لقد سبق لي شرف الإدانة، لسقطة كبيرة للبروفيسور قاسم بدري، حين كتبت مقالاً بعنوان (لا يا قاسم بدري)، نشر عام 2018م، إثر ما جرى في جامعة الأحفاد للبنات، حين قام مديرها، وصاحبها، البروفيسور قاسم بدري، وقد كان منفعلاً، وهائجاً، بضرب بعض طالباته، ليمنعهن من الخروج، للمشاركة في مظاهرة سلمية، انحزن فيها للشارع، الذي تظاهر بسبب غلاء المعيشة. وكان مما جاء في ذلك المقال (ولكن بروفيسور قاسم بدري، سقط من تلك المكانة السامقة، بما جرى من أحداث في الجامعة الأسبوع الماضي!! وهو لم يسقط مرة واحدة، بل سقط بكل اسف مرتين!! مرة حين ضرب طالبات جامعيات، بقسوة، وهياج، وانفعال، غير مقبول، وغير مبرر.. ومرة أخرى، حين رفض الاعتذار، وأصر على إمكانية تكرار فعلته المشينة. ومعلوم أن الضرب عقوبة جسدية مهينة، ومحطة لكرامة الإنسان، ومرفوضة في كل المواثيق الدولية، ولا توجد أصلاً كعقوبة قانونية في العالم المتحضر. كما أن الضرب مرفوض كوسيلة تربوية، حتى في المرحلة الابتدائية، دع عنك أن يكون الضرب لطالبات جامعيات، في مؤسسة تعليمية عريقة، بنت كل مجدها على مناصرة المرأة، وأنشأت معهداً متميزاً، لدراسات المرأة، تعتمد مناهجه الدراسية على الدراسات النسوية الغربية، ومبادئ حقوق الإنسان، ومعاهدات رفض جميع أشكال العنف والتمييز ضد المرأة). وبعد أن علقت على تصريحات بروفيسور قاسم، في الصحف، خلصت في نهاية المقال للقول (إن ما حدث في جامعة الأحفاد من ضرب للطالبات، ليس حادثاً منعزلاً، كما أنه ليس المرض، وإنما هو العرض الدال عليه. أما المرض الحقيقي فهو غياب المؤسسية، في صرح تعليمي عالي وعريق. فالبروف قاسم يقوم بكل شيء، ويتعامل مباشرة مع الطالبات في كل شؤونهن، ويدير الجامعة كما يدير الإقطاعي إقطاعيته، وهو يظن أنه يملك كل ما فيها، ومن فيها.. وهذا يتناقض مع الديمقراطية، وأسس الإدارة الرشيدة الحديثة، كما أنه يشكل ضغطاً نفسياً وعصبياً، على مر السنين، على بروفيسور قاسم، أثر على صحته النفسية، وجعله عرضة للاستفزاز، والانفعال، والتطرف في التعامل.
إن واجب آل بدري من العاملين في الجامعة، وغير العاملين فيها، وواجب أصدقاء بروف قاسم، من أساتذة الجامعات والمثقفين، أن يجلسوا معه، وأن يوضحوا له أن ممارسته هذه، ضد مبادئ المؤسسة، كما أنها ضد مبادئ حقوق الإنسان.. وهي ستدخل الجامعة في حرج حقيقي، لو شاهدتها المؤسسات التعليمية الأمريكية، والأوروبية، التي تدعم برامج جامعة الأحفاد. ولا بد لبروف قاسم أن يقبل التقاعد، حفاظاً على سمعة الجامعة وتاريخها، في خدمة التعليم في هذا البلد، واستمرارها في أداء رسالتها. وما دام الجامعة لابد أن يديرها آل بدري، فإن بروفيسور بلقيس مؤهلة للقيام بهذه المسؤولية) (عمر القراي 13/1/2018م).
إن سقطة بروفيسور قاسم بدري الحاضرة، أكبر من سقطته تلك، لأنه هذه المرة، لم يعتد على مجموعة من طالباته، وإنما اعتدى على الشعب السوداني جميعه، حين ساعد أسوأ دكتاتور، عسكري، كذّاب، يتبع لتنظيم الإخوان المسلمين، الذي سيطر بقوة السلاح على الشعب، لمدى ثلاثين عاماً. قتل فيها من ابنائه في الجنوب، ومن أهالي دارفور مئات الآلاف، كما قتل أهلنا في وفي جبال النوبة، وفي النيل الأزرق. ثم إنه نهب أموال الشعب، ودمر مؤسساته ومشاريعه الاقتصادية، وأفسد حياته. حتى ثار الشعب في ديسمبر 2018م واسقطه بثورة شعبية عارمة. فجاء البرهان، واستغل الجيش ضد الثورة، وقام بانقلابه في 25 أكتوبر 2021م. وها هو الآن يبحث عن شرعية، صنع من أجلها خدعة الحوار هذه، يستخدم فيها بعض المثقفين المدنيين، الذي خانوا أمانة الثقافة، وأمانة الوطن، وباعوا قيمة الديمقراطية، والحكم المدني، بلعق أحذية العسكر، وليتهم كانوا عساكر احرار، ولم يكونوا مطية لحركة الإخوان المسلمين، المصنفة دولياً، وإقليمياً، كحركة إرهابية.
3 سبتمبر 2026م