لا تكتفي المدافع بتمزيق الأجساد في هذه الحرب المدمرة، بل تمتد يد الزيف لتمزيق الحقيقة عبر “منصات خفية” وأجسام هلامية تُدار من غرف مظلمة.
ما نشهده اليوم من طفحٍ إعلامي تقوده كيانات مشبوهة، وعلى رأسها ما تُسمى بـ “شبكة أطباء السودان”، ليس إلا وجهاً قبيحاً للزيف والإدانة الانتقائية التي تُجيدها فلول النظام البائد (الكيزان)، أولئك الذين أحرقوا السودان وقتلوا السودانيين رغبةً في العودة إلى كراسي السلطة فوق تلال الجماجم وحطام الوطن.
إن هذه “الشبكة” المزعومة تجسيد حي للتدليس الأمني في عباءة مهنية؛ كيان بلا ملامح، بلا موقع إلكتروني، وبلا متحدث رسمي يجرؤ على كشف وجهه، ليبقى مجرد ختم يُشرعن الأكاذيب.
المثير للريبة والدهشة معاً، هو تلك السرعة الإعجازية في صدور بياناتها، التي تسبق أحياناً دويَّ الانفجارات، مما يؤكد أنها ليست نتاج تقصٍ طبي ميداني، بل هي بروباغندا أمنية مُعدة سلفاً في دهاليز مطابخ الفتنة.
تتجلى خطورة هذه الشبكة في انتقائيتها المفضوحة؛ فهي لا ترى إلا انتهاكات طرف واحد، بينما تُصاب بالعمى الكامل حين تُمطر مسيرات الجيش رؤوس المدنيين العزل.
إن الإصرار على تضخيم ضحايا مسيرات الدعم السريع، مع صمت القبور حيال مئات الضحايا الذين يحصدهم طيران الجيش بدم بارد، يسقط عن هذه المنصة الوهمية آخر سواتر العهر السياسي، ويكشف أنها مجرد “وحدة عمليات” سياسية تهدف لتوجيه الرأي العام عبر تزييف الوقائع.
نحن لا نسعى لتبرئة أي طرف؛ فكل من تلطخت يداه بدم السودانيين هو مجرم حرب بامتياز. لكن الجريمة الكبرى هي استغلال قدسية مهنة الطب وتوظيفها في سوق السياسة القذر.
إن “شبكة أطباء السودان” جسم وهمي ليس سوى لافتة كيزانية زائفة، تُبث من خلالها سموم الكذب والكراهية، وتُشرعن عبرها استمرار المحرقة.
وعلى هؤلاء أن يعوا أن ذاكرة السودانيين عصية على التزييف، وأن مخابئهم الإعلامية ليست سوى قلاع من رمل ستجرفها أمواج الوعي الشعبي؛ فالحقيقة لا تموت بالتقادم، وستبقى دماء الضحايا لعنةً تطارد لافتاتهم الوهمية حتى يلفظهم التاريخ إلى مزبلته حيث ينتمون.