ثورة ديسمبر المجيدة قد أسقطت النظام بهتافها العظيم (تسقط بس) كانت ثورة في العقول قبل الشوارع ودفارات الكشة وصفوف الجوعي وفي أرصفة مخابز الرغيف. كانت ثورة فكرية وتظل لأنها إنتزعت السلطة من الإخوان المسلمين إنتزاعاً ونقلت السلطة من السماء الى الارض، ومن العرش الى الناس فبدل أن يكون نظام الإخوان المسلمين الحاكم ظلاً لله في الارض قالت الثورة نريد نظام مدنياً يكون وكيلا عن الشعب وخاماً له لا سيداً عليه ويُحاسب كما يُحاسب اي خادِم على الامانة التي اوكلت اليه وان خان الأمانة سُحِبتْ منه الثقة وسقط حقه في الحكم.
لقد تعلم الشعب السوداني والعالم من تجربة الإخوان في الحكم كيف للدين أن يشعل الحروب والفتن حين تم إستغلاله وكيف يمكن للشعب حين يُستدرج بالخوف ان يدمر نفسه باسم الدين والكرامة والسيادة الوطنية. فثورة ديسمبر شعاراتها الواضحة تدعو إلى فصل واضح بين الايمان والسياسة، بين ضمير الانسان وسيف الدوله فالايمان مسألة قلب والدولة مسألة وجود ومن يخلط بينهما يزرع نار الفتنة في جسد المجتمع والدولة.
مَنْ لا يتعلم مِن التاريخِ سيُكرر أخطاءه والسودانيون بكل أسف تعلموا من التاريخ تِكرار الأخطاء أكثر مما خبروا الدروس والعِبَر. الجميع يتفق مع شعار صون السيادة الوطنية وحماية القرار الوطني، لكن السؤال الجوهري يظل قائمًا: لماذا ترفض حكومة البرهان فرص السلام؟ ولماذا تُقابل المبادرات الدولية ومنها المبادرة الأمريكية لوقف الحرب بالتعنت والرفض المتكرر؟
إن فهم هذا الرفض يقتضي إسناده إلى تمسّك اللجنة الأمنية بالسلطة، ورفضها لأي قيود قد تُحدّ من نفوذها أو تُعيد تشكيل موازين القوة لصالح القوي المدنية. فالحربُ القائمة بين طرفي الصراع، في جوهرها، ليست لصون الكرامة وليست دفاعًا عن السيادة الوطنية كما يُروَّج، بل أداة لإعادة إنتاج نظام حكم فقد شرعيته بقرار الثورة والشعب. ومع ذلك، يظل إيماننا راسخًا بأن قِوى السلام ستنتصر، وأن الحرب (مهما طال أمدها) ستضع أوزارها، وأن العدالة ستطال من عبثوا بالوطن وموارده وكرامة شعبه.
بعودة إلي التاريخ نفهم أن البشرية مرّت بعهود لم تكن فيها دولة ولا قانون ولا راية تُرفرف فوق الرؤوس وكان الإنسان كائنًا حرًّا بطبيعته، تحكمه الغريزة والخوف والرغبة في البقاء ولم تكن هناك عدالة، لأنه لم يكن هناك نظام يُنتج ظلمًا لكن ما إن عرف الإنسان معنى الامتلاك وطعم السلطة، حتى بدأت المصالح تتقاطع، وإصطدمت الرغبات بالرغبات، ومن رحم التنافس والتوتر وُلد الصراع ، وولد الصراع الطبقي.
أدرك الإنسان أن الحرية المطلقة قد تحميه أحيانًا، لكنها قد تُفنيه أحيانًا أخرى، فما قيمة الحرية في عالم يستطيع كل فرد فيه أن يستعملها لإنتهاك حقوق غيره؟من هنا نشأت فكرة العقد الاجتماعي، لا بوصفها قيدًا على الحرية، بل ضمانة لها. فالإنسان، بوعيه، تعلّم أن الإتفاق أقل كلفة من الحرب، وأن المشاركة أكثر استقرارًا من الهيمنة.
وعليه، فإن الخيار الأخلاقي والوطني اليوم هو رفض الإصطفاف مع أيٍ من طرفي الحرب، والمطلوب من الجميع دعم صوت الثورة لوقف الحرب ونزع الشرعية عن دعاة استمرارها.
وليعلم عساكر اللجنة الأمنية وحلفاؤهم، كما عليه أن يعلم الدعم السريع ومن يدور في فلكه، أن البقاء في السلطة أو الوصول إليها لا يتحقق بالبندقية القوة المجردة، بل يتحقق بالعمل الثوري السلمي ويُصان بالنظام الديمقراطي المدني، وبالثقة العامة، وبالالتزام بالكلمة التي تُقال وتُحترم. فالدولة المدنية القابلة للحياة التي يتطلع الشعب لتأسيسها لا تُبنى على فوهة بندقية، بل بالعمل السلمي الديمقراطي وعلى أساس عقد الثقة بين الشعب وخادمه في السلطة.
في آلياتي للتحليل تعملت إن طريق التطور جدلي لا يسير في خط مستقيم، بل عبر توترات وتراكمات وصراعات أفكار لأن كل فكرة تحمل في أحشائها بذور فناءها. لكن الصراع المشروع هو صراع البرامج والرؤى والتنافس في ما يقدم للشعب أفضل ما يليق به داخل بيئة آمنة، لا صراع السلاح الذي يرعب الشعب ويشرده ثم يلتهم الدولة نفسها. الأفكار قد تُنتج نقيضها، وهذا أمر طبيعي، لأن النقائض تعيش معاً غير أن الواجب هو بناء عقد إجتماعي يوسع دائرة الحرية ويقيدها بجدار قانوني وأخلاقي يحمي النظام الديمقراطي من الانهيار.
المسؤولية اليوم جماعية كل فرد مُطالب بالقيام بدوره وبتحمل مسؤوليته تجاه الوطن في تقديم كل ما في وسعه من عمل بإتجاه وقف هذه الحرب المدمرة بالانضمام إلى معسكر دعاة السلام، ورفض الحرب ومصادمة الخطاب الذي يبرر استمرارها تحت لافتة “الكرامة” أو “السيادة”. فسيادة الدولة كما نصّت عليها مواثيق الأمم المتحدة ليست تفويضًا مطلقًا، بل مبدأً مشروطًا بصيانة حقوق الإنسان وحماية كرامته وتنتزع هذه السيادة إذا أخلت السلطة بهذه المبادئ.
لابد للجميع أن يدرك ويعي أن السلطة في الدولة الحديثة كيانٌ خادم للشعب، لا سيدٌ عليه وهي تستمد شرعيتها من تفويض المواطنين، ويظل هذا التفويض مشروطًا بأداء واجباتها في حماية الحقوق وتنظيم حياة الناس وفق خياراتهم فإذا خانت السلطة هذا التفويض، سقطت شرعيتها، مهما إمتلكت من قوة.
لابد للجميع أن يدرك ويعي أن في الدولة الحديثة، لا يُطيع المواطن السلطة خوفًا، بل احترامًا للقانون الذي يراه معبرًا عن إرادته، ولا يخضع لأنه ضعيف، بل لأنه شريك في صناعة القرار، تلك هي الفكرة الجوهرية لمشروع التغيير الجذري، وفلسفة العقد الاجتماعي كما صاغها المفكر الإنجليزي جون لوك: عقدٌ يُعرّف المواطن شريكًا لا رعية.
لابد للجميع أن يدرك ويعي أن السيادة مبدأ دولي راسخ، لكنها ليست مطلقة، ولا يجوز أن تتحول إلى درعٍ يُبرر إنتهاك حقوق الشعوب. فحين تُنتهك هذه الحقوق، تنشأ مسؤولية المساءلة والمحاسبة، ويصبح المجتمع الدولي ومنظماته حتى وإن لم يكن الخيار الأول لكنه سيصبح طرفًا محتملًا في مواجهة الانتهاكات الجسيمة.
الخلاصة لابد للجميع أن يدرك ويعي أن السيادة الوطنية لا تكون في رفض السلام، بل في حماية الإنسان، ولا تُصان بالمدافع، بل بالعدالة وسلامة أرواح الناس ومن يتمسّك بالحرب بدعوى السيادة، إنما يتمسّك بالسلطة لا بالوطن!.
mhalla45@hotmail.com
Feb 28, 2026