Fajr Press

الملكة والزغاوة

بقلم - عمار نجم الدين

كأنها خرجت لتوّها من جدارية معبدٍ قديم لتُصحّح فوضى الحاضر.

الدكتورة تسنيم، حفيدةٌ رمزية لملكات النوبة، ورثت عن أماني ريناس بأسها، وعن أماني شختو بصيرتها. من سلالة الخفيفات، أولئك اللائي يمشين على الأرض هونًا، وإذا خاطبهن الجاهلون لم ينزلن إلى الوحل، بل أجبن حكمةً ومعرفة. ليس غريبًا أن يكون صوتها موجعًا لسدنة الزيف؛ فالملكات لا يعرفن الانحناء، وبنات النوبة القديمة لا يتقنّ لغة الخوف. هي امتدادٌ صافٍ لكبرياءٍ لا يُشترى، وصوتٌ يعيد ترتيب المقاعد: هنا يقف التاريخ، وهناك يقف العابرون.
ما جرى مع الدكتورة تسنيم لم يكن اختلافًا سياسيًا ولا نقاشًا فكريًا، بل انكشافًا فجًّا لبنية عجزٍ مزمن. بنيةٌ حين تُهزم في الحُجّة، تلجأ إلى محاكمة الجسد بدل الفكرة. وحين تعجز عن الرد، تستدعي السخرية والتنميط. هذا ليس نقدًا، بل انتقام رمزي لا يصدر إلا عن خطاب مفلس.
لم تُستهدف تسنيم لأنها قالت رأيًا عابرًا، بل لأنها قالت ما لا يُحتمل سماعه: نقدًا مباشرًا لتنظيمات فقدت مشروعها، وتحوّلت إلى أدوات وظيفية داخل منظومة المركز. لذلك لم يناقشوا حديثها عن الفساد والانتهازية والارتهان الداخلي والخارجي، بل ناقشوا شعرها ولباسها وملامحها. تلك لحظة اعتراف صريحة: حين تُهاجَم المرأة في شكلها، فاعلم أن خطابها أصاب الهدف.
الباروكة التي تحوّلت إلى مادة تهكّم ليست قناعًا ولا خجلًا من الهوية، بل اختيارًا شخصيًا تمارسه ملايين النساء الإفريقيات في أفريقيا والمهجر، من مناضلات الحقوق المدنية إلى الأكاديميات والسياسيات. اختزال هذا الاختيار في سردية “الإنكار” ليس سذاجة، بل كذب ثقافي متعمّد يُراد به نزع الشرعية عن امرأة لا تُدار ولا تُشترى. الإفريقية التي تفخر بهويتها لا تحتاج إثباتًا شكليًا، ومن يقاتل بالكلمة لا يُستجوب أمام المرآة.
وتاريخيًا، كانت الإضافات الشعرية والجدائل جزءًا أصيلًا من رمزية الملكات في وادي النيل من مصر إلى كوش، تُستخدم لتعزيز المكانة والقداسة لا لإخفاء الهوية؛ من تيي وميريت آمون إلى الكنداكات النوبيات، كان الشعر المضاف علامة قوة وجمالٍ سيادي، لا نقصًا ولا خجلًا.
الأشد إيلامًا أن هذا الخطاب لم يأتِ فقط من مثقفي المركز، بل شارك فيه بعض المنتسبين إلى حركة تحرير السودان – جناح مني أركو مناوي. وهنا لا نتحدث عن دارفور ولا عن أهلها، بل عن حالة استلاب تعيد إنتاج أدوات القهر ذاتها التي مارسها المركز تاريخيًا. بدل مواجهة السلطة، قلدوا لغتها؛ وبدل تفكيك معاييرها، تبنوها؛ فصاروا يحاكمون أختهم الإفريقية بالمقاييس نفسها التي أُذلّوا بها. هذه هي سيكولوجية الإنسان المقهور حين يتكلم بلسان سيده السابق.
ومع ذلك، لا بد من القول بوضوح لا يقبل الالتباس: قبيلة الزغاوة ليست المشكلة، ولن تكون. الزغاوة مجموعة سودانية أصيلة، جزء لا يتجزأ من نسيج هذا الوطن، وقدّمت مواقف مشرفة في تاريخ السودان الحديث، ودُفِعَت أثمانًا باهظة من الدم والتهجير. هي من المجموعات التي مارست ضدها الدولة المركزية تهميشًا بنيويًا، وحروبًا ممنهجة، ووقائع إبادة جماعية لا تزال آثارها مفتوحة في الذاكرة والجغرافيا. الزغاوة، مثل غيرهم من شعوب الهامش، كانوا ضحايا الدولة لا صُنّاعها، ومَن يختزلهم في سلوك تنظيم أو قيادة إنما يُعيد إنتاج الظلم ذاته الذي وقع عليهم.

الجريمة ليست في الانتماء، بل في توظيفه السياسي الانتهازي. ما فعله مني أركو مناوي وتنظيمه هو توريط اسم القبيلة في صراعات سلطة ضيقة، واستخدامها درعًا لتصفية الخصوم، ثم تقديم التنظيم وكأنه “تنظيم القبيلة”، وكأن القبيلة برنامج سياسي أو مشروع حكم. بهذا السلوك تحوّلت القبيلة إلى ضحية فشل قيادي، لا شريكًا فيه، ودُفِعت سمعتها ثمنًا لأخطاء لا تخصّها.
مني أركو مناوي هزم تنظيمه مرتين: الأولى حين زجّ بأبناء القبيلة في معارك خاسرة دفاعًا عن المركز وحماية مصالحه، والثانية – والأخطر – حين استعمل اسم القبيلة لتغطية فشله السياسي وغياب قراءته، متنقّلًا بين الأدوار الإقليمية بلا مشروع ولا أفق تحرري، حتى استقرّ كوظيفة داخل منظومة بورتسودان. في الحالتين لم يخدم الهامش، بل خدم المركز، ثم طالب الهامش بالتصفيق.
الهجوم على الدكتورة تسنيم ليس دفاعًا عن هوية ولا عن قبيلة، بل دفاع عن عجز سياسي مكشوف. هي لم تفضح أحدًا بشكلها، بل بكلامها. ومن يهاجمها اليوم لا يناقشها لأنه لا يستطيع، ولا يحتمل امرأة حرة لا تطلب إذنًا، ولا تقبل أن تكون ديكورًا في مشروع فاسد. حين يُستبدل النقاش بالتهكّم تُعلَن الهزيمة، وحين تُستهدف المرأة لأنها لا تشبه الصورة التي رسمها المركز، فذلك إعلان واضح بأن المعركة ليست على الشعر… بل على المعنى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.