Fajr Press

ما بين أنصار “كرري” و “أم دبيكرات” .. وأنصار أحمد المهدي!؟

كتب - عبدالرحمن العاجب

ليس الاسم هو الاسم، وإن تشابه اللفظ، وليس التاريخ صفحةً تُنتزع من سياقها، وتُعلّق على جدار السياسة المعاصرة بوصفها صكَّ براءة أو تفويضًا مفتوحًا.

فبين أنصار “كرري وأم دبيكرات” أولئك الذين واجهوا الإمبراطورية بصدورٍ عارية وإيمانٍ جارف – وبين ما يُستدعى اليوم باسم «كيان الأنصار»، مسافةٌ أخلاقية ومعرفية لا يردمها الادعاء، ولا يجسرها البيان.

أنصار الإمام محمد أحمد المهدي لم يكونوا حزبًا، ولا لافتة، ولا ختمًا يُستعار ساعة الحاجة. كانوا حركة تحررٍ كبرى، خرجت من رحم الهامش السوداني، واستنهضت المقهورين والمهمشين، وصاغت من الفقر واليقين مشروع مقاومة هزّ عرش الاستعمار البريطاني.

في شيكان، والخرطوم، وكرري، ثم في أم دبيكرات – حيث اختاروا الموت واقفين – كتب الأنصار فصلًا فريدًا في تاريخ مقاومة الاستعمار، لا بوصفهم ملائكة، بل بوصفهم بشرًا امتلكوا شجاعة الوقوف ضد آلة عالمية ساحقة.

قاد الإمام المهدي ثورةً لم تُبنَ على الجغرافيا وحدها، بل على شبكةٍ اجتماعية واسعة، كان عمودها الفقري مجتمعات غرب السودان: “كردفان ودارفور” بقبائلها وطرقها الصوفية ووشائجها الاجتماعية.

هناك، تشكّلت القاعدة الاجتماعية للأنصار، لا في صالونات المدن، ولا في مكاتب السلطة، بل في الريف، في المعسكر، في المزارع، وفي مسارات الرُحّل.

من هنا، يصبح السؤال مشروعًا ومؤلمًا: من يملك حق الحديث باسم الأنصار اليوم؟

إن الوثيقة التي قُدّمت باسم «كيان الأنصار» لتعلن الاصطفاف السياسي مع قيادة الجيش في حربٍ أهلية معاصرة، لا يمكن قراءتها إلا بوصفها موقفًا سياسيًا خاصًا، لا تعبيرًا عن إجماع تاريخي أو اجتماعي. فالتاريخ لا يُفوّض، والذاكرة الجمعية لا تُختزل في توقيع، ولا تُدار ببلاغة البيانات.

الأخطر من الوثيقة ذاتها، هو فكرة سرقة الاسم: تحويل «الأنصار» من هوية تاريخية واجتماعية معقدة، إلى علامة سياسية تُستخدم لتسويغ موقف، أو تبييض تحالف، أو إضفاء قداسة على قرار بشري محض.

الأنصار – كما كانوا – لم يكونوا يومًا ملحقًا بالسلطة، ولا ظلًّا للجيش، ولا وقودًا لمعارك لا تُشبه معاركهم الأولى.

وفي قلب هذا الالتباس، يقف الإمام أحمد المهدي بوصفه رمزًا مُتنازعًا عليه. فالعلاقة بينه وبين القواعد الاجتماعية التاريخية للأنصار علاقة متوترة، باهتة، تفتقر إلى الامتداد العضوي العميق. لم يكن صوته – في محطات كثيرة – صدىً لهموم الهامش، ولا ترجمانًا لأسئلتهم الوجودية حول العدالة، والمواطنة، والدولة. بل بدا، في أكثر من منعطف، أقرب إلى التكيّف مع مركز السلطة، من الاشتباك مع جذور الأزمة السودانية.

أما الحرب الراهنة، وقد انزلقت إلى خطاب اجتماعي وعنصري بغيض، فقد كشفت هشاشة الادعاءات كلها. إذ لم تعد الاصطفافات تُقرأ فقط بميزان السياسة، بل بميزان الخوف على البقاء، وعلى الجماعة، وعلى الذاكرة. وهنا، تتبدّى مفارقة موجعة: اسم الأنصار يُستدعى في العلن لتبرير مواقف رسمية، بينما واقع مجتمعاتهم – بتنوّعها واختلاف رؤاها – أعقد من أن يُختزل في بيان، وأوسع من أن يُحتكر.

إن استدعاء الأنصار اليوم، خارج سياقهم التاريخي، وقطعهم عن جذورهم الاجتماعية، ليس وفاءً للمهدي، بل قطيعة معه، وليس استمرارًا لثورة، بل استخدامٌ انتقائي لذاكرتها.

أنصار “كرري وأم دبيكرات” لم يموتوا ليُستخدم اسمهم في صراع سلطة، ماتوا وهم يحلمون بدولةٍ تُنهي القهر، لا تُعيد إنتاجه بأسماء جديدة.

وحده الاعتراف بهذه الحقيقة – المؤلمة والضرورية – يمكن أن يفتح أفقًا لسودانٍ يُبنى على المواطنة، لا على احتكار التاريخ، ولا على مصادرة الأسماء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.