بين خطاب “الأمن القومي” وواقع الإذلال: السوداني في مصر بين الجوار القاسي والكرامة المروحة!!
كتب - الهادي أبو زايدة
ليس أشد وجعًا على الإنسان من أن يضطر لترك وطنه هربًا من الحرب، ثم يجد نفسه في أرض الجوار يواجه حربًا أخرى من نوع مختلف؛ حربًا صامتة، يومية، تتسلل إلى تفاصيل حياته، وتنهش كرامته بالتدريج. هذا هو حال آلاف السودانيين في مصر اليوم، حيث تختلط مرارة اللجوء بمرارة الشعور بالإهانة والإقصاء، في مشهد حزين يتناقض بصورة صارخة مع الخطاب الرسمي عن “وحدة المصير” و”ترابط الأمن القومي المصري والسوداني”.
مصر تقول – رسميًا – إن أمنها القومي مرتبط بأمن السودان، وإن استقرار الخرطوم ضرورة لاستقرار القاهرة. لكن على أرض الواقع، يتشكل سؤال موجع: هل يستدعي هذا الترابط كل هذا التضييق على المواطن السوداني البسيط؟ هل يعني “الأمن القومي المشترك” أن يُعامل اللاجئ كعبء أمني لا كإنسان مكلوم فقد بيته وأرضه واستقراره؟
لم يعد الأمر مقتصرًا على إجراءات إدارية أو قيود قانونية، بل امتد – كما يرويه السودانيون – إلى تفاصيل الحياة الاجتماعية والثقافية: تضييق على الفعاليات، حساسية مفرطة تجاه التجمعات، وحتى مناسبات الأفراح والأنشطة الثقافية لم تسلم من الرقابة والقيود. وهنا يتحول اللجوء من حالة إنسانية مؤقتة إلى حالة شعورية دائمة من الملاحقة والشك، وكأن السوداني مطالب أن يعتذر كل يوم عن نجاته من الحرب.
المفارقة المؤلمة أن هذا يحدث في وقت تُبرز فيه مصر أدوارًا خارجية عبر مؤسسات مثل الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، التي يُفترض أنها تجسد بعدًا تضامنيًا وتنمويًا تجاه أفريقيا. لكن صورة هذه “الشراكة” تتآكل حين يقارن السوداني بين الشعارات الكبرى عن التعاون والتنمية، وبين واقعه اليومي في الشارع، والعمل، والسكن، والإجراءات، ونظرات الريبة.
استراتيجيًا، ما يجري ليس مجرد مسألة إنسانية، بل قضية تمس المصالح بعيدة المدى لمصر نفسها. فالسوداني الذي يشعر بالإهانة اليوم، هو ذاته الذي سيحمل ذاكرة مثقلة غدًا، وسيكون جزءًا من رأي عام سوداني يتشكل على وقع التجربة لا الخطاب. العلاقات بين الدول لا تبنى فقط بالاتفاقيات والقمم، بل أيضًا بتجارب الناس البسطاء، بما يشعرون به في المواقف الصغيرة: في قسم الشرطة، في مكتب الإقامة، في قاعة أفراح أُلغيت، أو نشاط ثقافي مُنع.
كان الأجدر – من منظور إستراتيجي وإنساني معًا – أن تتجه مصر الرسمية نحو مقاربة مختلفة: بدل إدارة وجود السودانيين كملف أمني ضيق، أن تساهم بجدية في معالجة جذور الأزمة داخل السودان؛ في دعم الاستقرار، ومعالجة الاختلالات البيئية والصحية والخدمية، وتهيئة ظروف تسمح بعودة طوعية كريمة. فعودة السوداني إلى بلاده في ظروف إنسانية لائقة تخدم السودان، وتخدم مصر أكثر، لأنها تعني حدودًا مستقرة وجارًا ممتنًا لا جارًا مجروحًا.
الرهان الحقيقي ليس في التضييق، بل في كسب القلوب. ليس في إدارة الأزمة بالخوف، بل بتوسيع أفق الأخوة والجيرة التي طالما تغنى بها الخطاب العربي. فالسوداني الذي لجأ إلى مصر لم يأتِ سائحًا ولا منافسًا، بل جاء مدفوعًا باضطرار قاسٍ. وأي سياسة لا ترى فيه هذا الإنسان المقهور أولًا، ستفشل – أخلاقيًا وسياسيًا – مهما تزينت بشعارات الأمن القومي.
في النهاية، تبقى الكرامة هي جوهر الأمن الحقيقي. والجار الذي يُحفظ له قدره في ساعة ضعفه، هو الجار الذي سيكون سندًا في ساعة القوة. أما الإذلال، فلا يصنع استقرارًا، بل يراكم صمتًا حزينًا… قد يتحول يومًا ما إلى جدار نفسي بين شعبين كان يفترض أن يجمعهما النيل، لا أن تفصل بينهما الجراح.