Fajr Press

مصر ما بين الانقلابات والمسيرات.

كتب - إسماعيل يونس

تعتبر مصر، في نظر كثير من السودانيين، واحدة من أبرز أسباب تعثر السودان إداريًا وسياسيًا عبر تاريخه الحديث. فالعلاقة بين البلدين لم تكن يومًا مجرد علاقة جوار طبيعي، بل تشكلت في سياق تاريخي معقد بدأ منذ العهد التركي–المصري، ثم الحكم الثنائي مع بريطانيا، حيث كانت مصر مدخلًا لحقبتين استعماريتين تركتا أثرًا عميقًا في تشكيل الدولة السودانية. ورغم ما دوّنته السجلات الرسمية عن “شراكة” في الحكم الثنائي، فإن واقع الممارسة أظهر دورًا أقرب إلى الوسيط أو الممهّد للسيطرة على السودان أرضًا وشعبًا.
جغرافيًا، مثلت المحاذاة الطويلة بين البلدين نقطة ضعف استراتيجية للسودان أكثر من كونها عنصر تكامل. فمصر، التي عانت عبر تاريخها من موجات احتلال وهيمنة، يُقال إنها سعت بعد خروج الاستعمار البريطاني إلى تعويض ذلك عبر تثبيت نفوذها جنوبًا، خشية قيام دولة سودانية مستقلة وقوية اقتصاديًا وسياسيًا، قادرة على إعادة تعريف موازين القوى في وادي النيل. ومن هنا، لم يكن استقلال السودان في نظر هذا التحليل نهاية للتأثير المصري، بل بداية لمرحلة جديدة من أشكال الوصاية غير المعلنة.
ويُتهم الدور المصري كذلك بأنه كان بوابة لعبور أيديولوجيات متناقضة إلى الداخل السوداني، من التيار الإسلامي المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين إلى التيارات اليسارية والشيوعية، بما أوجد حالة استقطاب حاد ساهمت في هشاشة التجربة السياسية. كما يرى أصحاب هذا الرأي أن مصر صدّرت إلى السودان نموذج الانقلاب العسكري كأداة لتغيير السلطة، بدءًا من انقلاب الفريق إبراهيم عبود، مرورًا بمراحل متعددة من الحكم العسكري، وصولًا إلى الانقلابات الأخيرة المرتبطة بالفريق عبد الفتاح البرهان، الأمر الذي عمّق دائرة عدم الاستقرار وأجهض فرص التحول الديمقراطي.
وفي السياق نفسه، يتحدث هذا الطرح عن ازدواجية في الموقف المصري؛ إذ تُدعم الحكومات عندما تقوى المعارضة، وتُدعم المعارضة عندما تشتد شوكة الحكومات، بما يضمن وفق هذا التصور بقاء السودان في حالة توازن هش ودولة فاشلة ،لا يسمح بقيام دولة مستقلة القرار. ويتجلى ذلك، بحسب الرؤية ذاتها، في ملفات حساسة مثل قضية حلايب وشلاتين التي تصاعد النزاع حولها بعد محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، حيث عززت مصر سيطرتها على المنطقة مستفيدة من الظرف السياسي. كما يُنظر إلى اتفاقية الحريات الأربع باعتبارها خطوة لم تحقق التكافؤ المنشود، بل استُخدمت لخدمة مصالح محددة على حساب السودان..عن طريقها حصلت مصر علي إيصال موارد السودان عبر طريق بري أنشأ خصيصا لذلك الهدف.

أما في مرحلة الثورة السودانية، فيرى أنصار هذا الموقف أن مصر لعبت دورًا في إجهاض الحراك السلمي عبر دعم مكونات عسكرية داخل السلطة، والسعي لإعادة الانقلابيين إلى الشرعية الإقليمية والدولية، خاصة داخل أروقة الاتحاد الإفريقي. وتذهب بعض التقارير الإعلامية إلى الحديث عن انطلاق طائرات مسيّرة من قواعد داخل الأراضي المصرية خلال حرب 15 أبريل 2023، في مزاعم تشير إلى تدخل مباشر في النزاع، وما ترتب عليه من أضرار طالت البنية التحتية ومناطق النزاع في الخرطوم اولا ومن ثم دارفور وكردفان.
وتدمير البنية التحتية حتي لا يستفاد السودان من القيمة المضافة لموارده التي تحدث عنها رئيس مجلس الوزراء عبد حمدوك.
ورغم تعقيدات المشهد وتشابك المصالح الإقليمية، نخلص إلى أن جوهر الأزمة يكمن في غياب استقلال القرار السوداني. فمستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى إلا على سيادة كاملة وإرادة وطنية حرة، بعيدًا عن أي وصاية خارجية، أياً كان مصدرها. فالشعوب، مهما طال زمن التعثر، تظل قادرة على إعادة صياغة مصيرها عندما تتوفر لها القيادة المستقلة والرؤية الواضحة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.