Fajr Press

السودان بين تعدد الجيوش وانقسام الشعوب

كتب - إسماعيل يونس

على مدى عقود ظل السودانيون يرددون شعارات تعبويّة مثل “شعب واحد جيش واحد” في السياسة، و“فوق فوق سودانا فوق” في الرياضة، غير أن مسار الدولة السودانية يكشف واقعًا مختلفًا تمامًا. فالوحدة التي بشّرت بها الهتافات لم تتجسد فعليًا لا في بنية المؤسسة العسكرية ولا في النسيج الاجتماعي، بل ظل السودان ساحة لتعدد الجيوش وتباين الولاءات والانقسامات الجغرافية والاجتماعية العميقة.

تعود جذور هذه الإشكالية إلى ما قبل الاستقلال الكامل للدولة الحديثة، حين اندلع تمرد توريت عام 1955، الذي مهّد لاحقًا لظهور الحركة الشعبية لتحرير السودان وجيشها الشعبي. واجهت الدولة المركزية آنذاك التمرد بأقصى درجات العنف، لتدخل البلاد في حرب أهلية طويلة انتهت بانفصال جنوب السودان عام 2011. ورغم أن الانفصال بدا وكأنه نهاية لصراع تاريخي، إلا أنه لم يكن سوى محطة في مسار أطول من التفكك العسكري والسياسي، إذ استمرت فصائل مسلحة أخرى في النيل الأزرق وجنوب كردفان، فيما برزت في دارفور حركات متعددة أبرزها حركة تحرير السودان – جناح عبد الواحد وحركة تحرير السودان – جناح مني أركو مناوي، إلى جانب تشكيلات أخرى انشقت عنها لاحقًا.والعدل والمساواة بقيادة الدكتور خليل ابراهيم.

هذا التعدد لم يكن مجرد ظاهرة عسكرية، بل تعبيرًا عن أزمة ثقة عميقة بين قطاعات واسعة من المجتمع والدولة المركزية. فاختلال التوازن داخل مؤسسات الحكم، وانحيازها إلى نطاقات اجتماعية وجغرافية محددة، دفع جماعات مختلفة إلى البحث عن أدوات حماية ذاتية، تمثلت في تكوين جيوش موازية تطالب بالاعتراف والتمثيل. وفي المقابل، اتُهم الجيش المركزي بمواجهة هذه المطالب بالقمع، بحيث لا تقتصر المواجهة على التشكيلات المسلحة وحدها، بل تمتد آثارها إلى الحواضن الاجتماعية التي يُنظر إليها باعتبارها بيئة للتمرد.
وجاءت حرب 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لتكشف عمق هذا الانقسام. فالصراع لم يعد بين مركز وهامش فحسب، بل بين مكونات عسكرية كانت حتى وقت قريب ضمن منظومة واحدة. ومع اندلاع القتال في العاصمة وأقاليم عدة، تصاعدت الاتهامات المتبادلة بشأن استهداف أحياء بعينها، واستخدام القوة المفرطة، بل وورود تقارير عن انتهاكات جسيمة في مناطق مختلفة من البلاد، ما عمّق الشعور بأن المواجهة تتجاوز الحسابات العسكرية إلى اعتبارات اجتماعية ومناطقية..وصل الأمر الي استخدام الأسلحة الكيميائية بحسب التقارير.

ولم تكن هذه المؤشرات غائبة خلال الثورة السودانية التي انطلقت في ديسمبر 2018، حيث وُجهت اتهامات للأجهزة الأمنية باستخدام العنف ضد المتظاهرين ابتداءا بالقتل والتنكيل لم تكف الأجهزة الأمنية عن العنف الا عندما تيقنت ان قطار الثورة شمل حتي اولئك الذين يقدرونهم من الابناء والاقارب ومن في ذاكرتهم…قبل أن تدخل البلاد في مرحلة انتقالية قصيرة انتهت إلى تعقيدات سياسية وعسكرية جديدة. تلك المرحلة أظهرت صعوبة التوافق على مشروع وطني جامع، وأعادت طرح السؤال القديم حول طبيعة الدولة السودانية وهويتها الجامعة.

في ضوء كل ذلك، يبدو أن الأزمة السودانية أعمق من مجرد صراع على السلطة؛ إنها أزمة بناء دولة لم تنجح بعد في صياغة عقد اجتماعي يضمن المساواة والتمثيل العادل لجميع مكوناتها. فالوحدة لا تتحقق بالشعارات، بل بمؤسسات عادلة يشعر الجميع بأنها تعبر عنهم. وإلى أن يُحسم هذا السؤال الجوهري، سيظل شعار “شعب واحد جيش واحد” معلقًا بين الرغبة والواقع، فيما تستمر البلاد في البحث عن صيغة دولة تتسع للجميع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.